مجتمع وحوداث

الوضع مقلق ولابد من حل

أحمد الدافري (إعلامي)

ما تواجهه المدن المغربية في الآونة الأخيرة من تحولات في المشهد الأمني هو أمر يبعث على القلق.


فقد أصبحنا نلاحظ من خلال ما نشاهده من صور وفيديوهات، أن عددا من الشوارع تحولت إلى مسرح لعمليات نشل خاطفة تنفذها عصابات تستخدم الدراجات النارية لاستهداف هواتف وحقائب المارة، ومن هؤلاء المارة أشخاص مُسنّون، مستغلة سرعتها وقدرتها على المرور في الأزقة الضيقة للفرار وتجنب المطاردة. 


 ولم يتوقف الأمر عند حدود السرقة، بل امتد ليشمل مشاجرات دموية في الأحياء الشعبية تُستخدم فيها الأسلحة البيضاء والسيوف، مما يزرع الرعب في نفوس الساكنة ويحول الفضاءات العامة إلى مناطق غير آمنة. 


وتتفاقم هذه الصورة القاتمة داخل ملاعب كرة القدم ومحيطها، إذ تحول شغف الرياضة لدى فئة من المشجعين إلى شغب هستيري وتخريب ممنهج للمنشآت والممتلكات، بل وصلت الهمجية إلى حد الدخول في مواجهات مباشرة واعتداءات جسدية خطيرة ضد عناصر الأمن الذين يسهرون على تنظيم هذه التظاهرات، مما يضع سلامة الجميع في خطر ، ويستنزف جهود الدولة في احتواء فوضى غريبة عن قيم المجتمع المغربي.


نعم. 

صحيح أن السنوات الأخيرة شهدت طفرة نوعية في المجهودات الميدانية التي تبذلها الأجهزة الأمنية المغربية للتصدي لهذا الوضع، حيث تشير المعطيات الرسمية الصادرة عن المديرية العامة للأمن الوطني إلى معالجة ما يقارب مليون قضية زجرية سنوياً، مع توقيف مئات الآلاف من الأشخاص المتورطين في جرائم تمس الشعور بالأمن، كما أنه وفي إطار التصدي لظاهرة السرقة باستعمال "الموطورات"، تمكنت المصالح الأمنية من حجز عشرات الآلاف من الدراجات النارية المخالفة في حملات تطهيرية واسعة، بينما أسفرت الجهود المتعلقة بمكافحة الشغب عن توقيف آلاف المشتبه بهم سنوياً، وضبط ترسانة من الأسلحة البيضاء التي تستعمل في الحروب بين الإلتراس، وهو ما يعكس أن هناك يقظة مستمرة تحاول احتواء بؤر التوتر وتأمين الأرواح والممتلكات رغم التحديات المتزايدة وضخامة العبء الملقى على عاتق الأجهزة الأمنية.


ورغم هذه المجهودات، فإن الواقع يفرض اليوم ضرورة ملحة للرفع من سقف الإمكانيات اللوجستيكية والمادية الموضوعة رهن إشارة هذه الأجهزة لتمكينها من مواكبة التطور المتسارع للجريمة الحضرية، خاصة وأن دولا ناجحة في هذا المجال أثبتت أن التفوق التقني هو مفتاح السيطرة المطلقة. 


المطلوب اليوم هو توسيع ميزانية التجهيز الأمني لتوفير أحدث تقنيات الرصد الرقمي والكاميرات المحمولة لتوثيق التدخلات، بالإضافة إلى تعزيز الأسطول بدراجات أمنية عالية الأداء تفوق في سرعتها ما يستخدمه الجناة. 


كما يجب العمل على تحسين ظروف اشتغال العنصر البشري وتقديم الدعم القانوني الكافي لرجل الأمن لضمان حمايته أثناء مواجهة المسلحين، وتأهيله المستمر عبر دورات متقدمة في إدارة الحشود، مما سيرفع من الروح المعنوية والجاهزية الميدانية، ويجعل من المؤسسة الأمنية طرفا قويا قادرا على فرض هيبة القانون واجتثاث مظاهر التخريب والاعتداء من الشارع والملاعب بفعالية واحترافية.


وتتزايد الحاجة اليوم إلى استيعاب الحجم الحقيقي للكلفة التي يتكبدها المجتمع جراء هذه السلوكيات.


فبعيداً عن الأثر النفسي، تشير التقارير إلى أن خسائر شغب الملاعب في المغرب تكلف ميزانية الدولة والجماعات الترابية والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم مبالغ طائلة تقدر بملايين الدراهم سنويا، حيث تشمل هذه التكاليف إصلاح كراسي المدرجات، والمرافق الصحية، وتجهيزات الإضاءة، زيادة على الخسائر التي تتعرض لها الممتلكات الخاصة خارج أسوار الملاعب من سيارات وحافلات للنقل العمومي ومحلات تجارية.


 هذا النزيف المالي يفرض بالضرورة التحرك نحو تحصين المنظومة القانونية، ليس فقط لزجر المخربين، بل لحماية رجال الأمن من أخطار المهنة، وذلك عبر اقتراح تعديلات قانونية صريحة تعتبر الاعتداء على موظف أمن أثناء مزاولته لمهامه في الملاعب أو خلال مطاردة عصابات الدراجات ظرف تشديد لا يقبل التخفيف، مع التنصيص على توفير حماية قانونية وقضائية للمتدخلين الأمنيين تمنحهم الصلاحيات اللازمة لاستخدام الوسائل القانونية لردع المعتدين المسلحين بكل حزم، لضمان استعادة الطمأنينة للشأن العام الرياضي والحضري على حد سواء.

وهذا ما كان.