وخلف هذه الشعارات الموسمية، تدور رحى معركة مريرة تخوضها الطفولة المغربية ضد ضعف البنية التحتية وغياب الرؤية الاستراتيجية... وتبدد وعود" فتح مخيمات الجيل الجديد" التي طال انتظارها، حتى نسيت الجمعيات أوراشها.
ما يحدث اليوم في قطاع التخييم قد يصنف ضمن ما يسمى ب"للضغط الموسمي" لكنه في العمف نعي خفي لنموذج تدبيري يعتمد على "المسكنات" بدل الحلول الجذرية...
إننا أمام قطاع يدار بمنطق "الترقيع" الإداري، حيث يتم في كل موسم حشر آلاف الأطفال في فضاءات غير مهيأة، مؤسسات تعليمية... وأخرى اجتماعية... تتناقض بنيويا مع فلسفة التخييم وحياته التربوية...
فتتحول التربوي بالتخييم إلى التربية بالجدران والترقيع.
خطاب الاستهلاك الإعلامي مقابل واقع الانكسار
تتفنن الوزارة الوصية، تحت قيادة محمد المهدي بنسعيد، في إطلاق الوعود الرنانة... يتحدث الخطاب الرسمي عن "رقمنة" الطلبات، وعن "تجويد" الخدمات، وعن جعل التخييم "حقا" لكل طفل مغربي. لكن لغة الأرقام والواقع الميداني تكشف زيف هذه الادعاءات. فبينما يتم الترويج لتوسيع العرض التخييمي، نجد أن عددا كبيرا من مراكز التخييم التاريخية تعاني من الإهمال أو "الإغلاق المقنع" بداعي الإصلاح الذي لا ينتهي.
إن الفجوة بين السياسة المعلنة والبنية التحتية لم تعد مجرد تفاوت بسيط، بل أصبحت شرخا عميقا يهدد جوهر العملية التربوية. فالوزارة تكتفي بدور "الوسيط" الذي يوزع الحصص على الجمعيات، دون أن توفر لها "الأرض الصلبة" للعمل. النتيجة هي ارتباك في المواعيد، واكتظاظ في المراكز المتاحة، وضغط هائل على الأطر التربوية التي تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع استياء الأسر وفقر الإمكانيات.
"دور الطالب"… حين تصبح المؤسسات التعليمية ملاذا لدار العجزة التخييمية
إن لجوء الوزارة إلى "دور الطالب والطالبة" والمدارس لإيواء المخيمات الصيفية هو أكبر دليل على الفشل البنيوي. هذه فدور الطالب أنشئت أساسا لمحاربة الهدر المدرسي وتوفير ظروف الدراسة لأبناء القرى، يتم تحويلها دون وعي تربوي بالرهان التخييمي ب"قوة الأمر الواقع" إلى مخيمات قسرية... هذا الحل الارتجالي يضرب مبدأ "التخصص المرفقي" في مقتل... والمبادئ الكونية للتخييم.
فالأطفال الذين يقصدون المخيم للترويح والترفيه، يجدون أنفسهم في فضاءات مدرسية جامدة، تفتقر إلى المسابح، والملاعب المهيأة، والتهوية الضرورية لمواجهة حر الصيف. إن تحويل دار الطالب إلى مخيم هو اعتراف ضمني بأن الوزارة لا تملك مراكز تخييم حقيقية تغطي الطلب المتزايد. إنه "تدبير الفقر" بامتياز، حيث يتم ترقيع ثوب التخييم بخرق من قطاع التعليم.
قرار إفران… القشة التي قصمت ظهر البعير
وفي هذا السياق نستحضر قرار عمالة إقليم إفران الذي منع استعمال دور الطالب والطالبة للمخيمات الصيفية..قرارا وصف ب "الصدمة الكهربائية" التي فضحت المستور. هذا القرار ليس مجرد لم يكن قرارا إدرايا فحسب، بل هو "بيان حقيقة" يعري عجز الوزارة عن توفير بدائل. إفران، التي تعتبر "رئة" التخييم الجبلي في المغرب، وجدت نفسها أمام استنزاف خطير لبنيتها التحتية المدرسية.
إن هذا المنع يكشف أن "الحلول الترقيعية" التي اعتمدت عليها الوزارة لسنوات قد وصلت إلى طريق مسدود. السلطات المحلية في إفران أدركت أن استمرار هذا الوضع يؤدي إلى تهالك المرافق المخصصة للدراسة، ويزيد من تكاليف الصيانة التي لا تتحملها وزارة بنسعيد. هذا القرار يضع الوزير في زاوية ضيقة: فإما بناء مراكز تخييم حقيقية تليق بكرامة الطفل، أو الاعتراف بأن "العطلة للجميع"هي مجرد شعار انتخابي لا يملك رصيدا على أرض الواقع.
هندسة "الخراب" وغياب العدالة المجالية
لا شك أن قطاع التخييم يعاني من "تشوه خلقي" في توزيعه الجغرافي. هناك تهافت غير مبرر على الشريط الساحلي، مقابل إهمال تام للمناطق الداخلية والجبلية التي تفتقر للمرافق. هذا الضغط يؤدي إلى تدهور جودة الخدمات في مراكز "الشمال" و"المركز"، حيث يتحول المخيم إلى "تجمع" بشري يفتقر لأدنى شروط الراحة.
الاختلالات لا تتوقف عند التوزيع، بل تمتد إلى حالة المراكز نفسها. العديد من المنشآت التخييمية التابعة للوزارة تعيش حالة من "الموت السريري": جدران متآكلة، مرافق صحية كارثية، وتجهيزات تعود إلى حقبة السبعينيات. الوزارة تخصص ميزانيات ضخمة ل "التسيير" و"الاحتفاليات"، بينما يظل "الاستثمار" في البنية الصلبة غائبا أو خاضعا لصفقات تثير الكثير من التساؤلات...
حكامة مشلولة وتعدد الرؤوس
إن تدبير قطاع التخييم في المغرب يتسم بـ "تعددية معيقة". فبين الوزارة الوصية، والسلطات الترابية (العمال والولاة)، والجامعة الوطنية للتخييم، تضيع المسؤوليات. هذا التشتت يؤدي إلى ضعف التنسيق... فالوزارة تبرمج، والسلطة المحلية قد تمنع، والجمعية تظل تائهة في المنتصف رغم ما تقدمه من خدمات جمة، أفقيا وعموديا.
هذه "الحكامة المهتزة" تجعل من التخييم نشاطا غير آمن من الناحية الاستراتيجية. غياب مخطط وطني مندمج يربط بين الوزارات (الشباب، الداخلية، التعليم، الصحة) يجعل كل موسم تخييمي بمثابة "مخاض عسير" ينتهي بالولادة القيصرية للحلول المؤقتة. إننا بحاجة إلى "هيئة وطنية مستقلة" لتدبير التخييم، بعيدا عن الحسابات السياسوية الضيقة التي ترهن مصلحة الطفل بـ "الأجندة" الانتخابية للوزير.
الجمعيات… الشريك المنهك والضحية
تعتبر الجمعيات التربوية العمود الفقري لعملية التخييم، لكنها اليوم تجد نفسها في وضع "الرهينة". الوزارة تفرض عليها دفاتر تحملات تعجيزية، بينما توفر لها فضاءات مهترئة وميزانيات هزيلة لا تغطي حتى تكاليف التغذية المتوازنة. الجمعيات مطالبة بتأطير الأطفال في ظروف لا إنسانية أحيانا، مما يعرض أطرها للمساءلة القانونية والضغط النفسي، وغالبا بأطر متطوعة تحاسب كأنها أطر تابعة للقطاع العام.
إن "عسكرة" التعامل مع الجمعيات من طرف بعض المصالح الخارجية للوزارة، وتحويل منح التخييم إلى أداة لـ "الضبط والربط"، أدى إلى تراجع الجودة التربوية. الكثير من الجمعيات الجادة بدأت تنسحب من الساحة، تاركة المجال لجمعيات "المناسبة" التي تبحث فقط عن الاستفادة من "كعكة" التخييم دون أي مشروع تربوي حقيقي.
الوزير بنسعيد… بين "بريق" السينما و"غبار" المخيمات
لا نشك أن الوزير محمد المهدي بنسعيد يولي اهتماما كبيرا لقطاعات الثقافة والسينما و"الصناعات الإبداعية"، بينما يظل قطاع "الشباب" هو الابن الضال في وزارته. إن التركيز على "البهرجة" الإعلامية واللقاءات الدولية لا ينعكس على حياة الطفل في مخيم "الحوزية" أو "سيدي الطيبي".
المسؤولية السياسية تقتضي من الوزير النزول من برجه العاجي والقيام بزيارات فجائية للمراكز التي تسمى "دورا للطالب" ليرى أين ينام أطفال المغرب. الرهان اليوم هو إنهاء "زمن الترقيع". فلا يمكن الاستمرار في تسويق "جواز الشباب" بينما الشاب لا يجد مخيما يحترم إنسانيته. إن إصلاح القطاع يبدأ من "تحريره" من قبضة الحلول المؤقتة ورصد ميزانيات حقيقية لبناء "مدن تخييمية" حديثة ومستدامة، وتخصيص ميزانية للأجور والقطع مع منطق التطوع الذي كان سببا في تدني جودة الأطر.
المفارقة المركزية.. تربية على "المؤقت"
أخطر ما في أزمة التخييم الحالية هو الرسالة التي نمررها للأجيال القادمة. عندما نضع الطفل في "دار طالب" غير مهيأة، ونخبره أن هذا هو "المخيم"، فإننا نربي فيه القبول بـ "الرداءة". التخييم هو مؤسسة للتنشئة على المواطنة، لكن كيف لمواطن صغير أن يحب وطنه وهو يرى إهمال المسؤولين لأبسط حقوقه في الترفيه الكريم؟
هناك تناقض صارخ بين "نموذج تنموي" يتحدث عن الاستثمار في الرأسمال البشري، وبين واقع قطاع يدار بـ "الصدقة" المكانية من قطاعات أخرى. إن الاستمرار في هذا النهج هو استثمار في "الفشل" لا في "الشباب".
استشراف المستقبل.. هل من مخرج؟
قرار سلطات إفران يجب أن يكون نقطة انطلاق لمراجعة شاملة. المخرج لا يكمن في الضغط على العمال لتغيير قراراتهم، بل في إطلاق "مخطط مارشال" لإعادة تأهيل وبناء مراكز التخييم الوطنية وفك الارتباط النهائي مع مؤسسات الرعاية الاجتماعية والتعليم في التخييم مع اعتماد شراكات حقيقية مع القطاع الخاص لتسيير المراكز بجودة فندقية وبأهداف تربوية.
ولا ننسى أن رقمنة حقيقية يجب أن تشمل تتبع "جودة الوجبات" و"حالة المرافق" لحظة بلحظة، لا مجرد التسجيل القبلي.
أزمة التخييم في المغرب هي مرآة تعكس خللا أعمق في ترتيب الأولويات الوطنية. لا يمكن أن نظل "دولة تفتخر بمشاريعها الكبرى" بينما تعجز عن توفير "سرير نظيف" و"فضاء آمن" ليرتاح فيه طفل في عطلته الصيفية.
إن قطاع الشباب يحتاج إلى "ثورة بنيوية" تنهي منطق "الموسمية" وتؤسس لسياسة عمومية قوامها الكرامة والعدالة والاحترافية. وبدون ذلك، ستظل مخيماتنا مجرد "أطلال" نبكي عليها كل صيف، وسيظل الوزير يبيع لنا "السراب" في قوالب "تواصلية" جذابة.






