اختار رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، مجدداً، العودة إلى لغة "الطمأنة التقليدية" التي لم تعد تجدي نفعاً أمام واقع الأرقام الصادمة، مفضلاً الاحتماء خلف أرقام "الوفرة" وترقيع "الدعم" عوض تقديم حلول جذرية تنهي معاناة المواطن مع غلاء المعيشة.
وبينما كان الشارع يترقب قرارات جريئة لخفض الأسعار، جاء تصريح رئيس الحكومة عقب اجتماع اللجنة الوزارية المكلفة بتتبع تداعيات التوترات الجيوسياسية، ليركز بشكل مفرط على "وفرة المخزون" في محاولة صريحة لتجنب مواجهة صلب الأزمة المتمثلة في الانهيار المتواصل للقدرة الشرائية.
هروب إلى الأمام.. الوفرة لا تعني "القدرة"
لقد شدد أخنوش في تصريحه على أن مخزون المنتجات البترولية والطاقية متوفر على الصعيد الوطني ولا يشوبه أي إشكال، وهي رسالة طمأنة تقنية قد تخدم مفهوم أمن الطاقة الاستراتيجي، لكنها تظل عاجزة عن ملامسة جيب المواطن المنهك.
إن الإشكالية المطروحة اليوم في الشارع المغربي ليست هي مدى توفر الوقود في الخزانات، بل هي الثمن الحارق الذي يُباع به عند المضخات، مما يجعل الاحتماء بـ "خطاب الوفرة" مجرد تغافل متعمد عن حقيقة أن امتلاء الرفوف بالسلع والخَزانات بالمحروقات لا يعني شيئاً للمواطن الذي يقف عاجزاً عن اقتنائها.
سياسة "الدعم" كمسكنات
وفي سياق متصل، تعهد رئيس الحكومة بمواصلة دعم مواد أساسية كالكهرباء وغاز البوتان والسكر، إلى جانب الاستمرار في دعم مهنيي النقل الطرقي. ورغم ما قد يبدو عليه هذا التوجه من صبغة اجتماعية، إلا أنه يثير تساؤلات حارقة حول نجاعة هذا "الدعم الموجه" الذي لم يفلح حتى الآن في كبح جماح الغلاء المستشري في قطاعات أخرى مرتبطة مباشرة بالاستهلاك اليومي. فالدعم الممنوح لقطاع النقل، على سبيل المثال، لم ينعكس بشكل ملموس على أسعار تنقل المواطنين أو كلفة نقل البضائع، مما يجعل الوعود بإحداث لجان لمراقبة الأسعار مجرد تكرار لسيناريوهات سابقة لم تنجح في لجم هوامش الربح الفاحشة، خاصة في قطاع المحروقات الذي يظل النقطة السوداء في تدبير الحكومة.
المراهنة على جود "السماء"
لقد ذهب رئيس الحكومة أبعد من ذلك حين ربط استقرار الأسعار المرتقب بتوقعاته لسنة فلاحية وصفها بـ "الجيدة ذات الآفاق الكبيرة"، مراهناً على وفرة الموارد المائية. وهنا يبرز النقد الحاد الموجه للجهاز التنفيذي، الذي يبدو وكأنه يرتهن بشكل كلي للتساقطات المطرية كعامل وحيد لخفض الأسعار، عوض إيجاد حلول اقتصادية وهيكلية مقاومة للتقلبات.
إن المراهنة على محصول زراعي وافر لا تعفي الحكومة من مسؤوليتها السياسية في ضبط "سماسرة الأزمات" وتطهير سلاسل التوزيع من ممارسات "الفراقشية" التي تلتهم جيوب المستهلكين في المسافة الفاصلة بين الضيعة وأسواق التقسيط، وهو المسار الذي ظل عصياً على الإصلاح الحكومي حتى الآن.
إن الفجوة تزداد اتساعاً يوماً بعد يوم بين لغة الطمأنة التي يسوقها رئيس الحكومة وبين الواقع المرير الذي تعيشه الأسر المغربية في الأسواق. فالحديث عن "استمرار الدعم" و"توفير السلع" يمثل في جوهره استراتيجية دفاعية تهدف إلى شرعنة بقاء الأسعار في مستوياتها القياسية الحالية، عوض العمل الجدي على خفضها لملائمة الدخل المحدود للمواطنين.
وبناءً عليه، يظل التساؤل قائماً حول ما إذا كانت حكومة أخنوش ستقدم حلولاً ملموسة أم أن "الوفرة" ستظل مجرد رقم بارد في التقارير الرسمية، بينما يظل "الاكتواء" هو العنوان الأبرز للحياة اليومية للمغاربة.






