تحليل

التأويل والتحريف…جدلية الفهم المغلوط للنص القرآني في الفكر الإسلامي المعاصر

الصادق العثماني (باحث في الفكر الإسلامي وقضايا التطرف الديني)

في خضم التحولات الفكرية والسياسية التي يشهدها العالم الإسلامي، برزت إشكالية عميقة تتعلق بطريقة التعامل مع النص القرآني، لا من حيث تلاوته أو حفظه، وإنما من حيث فهمه وتأويله واستحضار مقاصده. ذلك أن القرآن الكريم، بوصفه نصاً إلهياً خالداً، لم ينزل ليكون أداة صراع أو وقوداً للعنف، بل نزل هداية للناس ورحمة للعالمين، يخرجهم من الظلمات إلى النور، ويقيم فيهم ميزان العدل والرحمة والتزكية. غير أن بعض التيارات المؤدلجة في عصرنا، والتي تتلبس لبوس الدين، انحرفت بهذا النص عن مقاصده العليا، فحولته من خطاب رحمة إلى خطاب صدام، ومن مشروع إصلاح إلى مشروع اقتتال، عبر تأويلات مجتزأة، وقراءات سطحية، تفتقر إلى أدوات الفهم السليم، وتغيب عنها روح الشريعة ومقاصدها.

إن التأويل في أصله عملية علمية رصينة، تهدف إلى فهم النص في ضوء سياقه اللغوي والتاريخي والشرعي، مع استحضار كلياته ومقاصده، وهو ما مارسه علماء الأمة عبر قرون طويلة، فميزوا بين العام والخاص، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ، وربطوا النصوص ببعضها البعض، حتى لا يقع التعارض في الفهم، ولا التناقض في التطبيق. أما التحريف، فهو انزياح عن هذا المنهج، يقوم على اقتطاع النصوص من سياقاتها، وتحميلها ما لا تحتمل، وتوظيفها لخدمة أيديولوجيات مسبقة، غالباً ما تكون مشبعة بروح الصراع والإقصاء.

ومن أبرز النماذج التي تُستدعى في هذا السياق، الآية الكريمة: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ…”، حيث تُتلى هذه الآية في غير موضعها، وتُستحضر خارج سياقها، لتُبنى عليها مواقف عدائية مطلقة تجاه غير المسلمين، وكأن الإسلام يدعو إلى القطيعة الشاملة، أو العداء الدائم. وهذا الفهم لا يصمد أمام أدنى قراءة علمية منضبطة، إذ إن الآية نزلت في سياق خاص، يتعلق بحالة صراع عسكري وخيانة داخلية، كما بيّن ذلك المفسرون، ولم تكن خطاباً عاماً في كل زمان ومكان/

وليس هذا المثال الوحيد، بل إن ظاهرة التحريف بالتأويل تمتد إلى آيات أخرى تُستعمل خارج سياقها لإنتاج خطاب متشدد؛ فمن ذلك قوله تعالى: “وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ”، وهي آية تُتلى كثيراً مجردة عن سياقها، فيُفهم منها الإطلاق في القتل، بينما هي في حقيقتها واردة في سياق قتالٍ دفاعيٍّ محدد، مرتبط بعدوان وقع على المسلمين وإخراجهم من ديارهم، ومقيَّدة بآيات أخرى تأمر بالكف عند انتهاء العدوان، وبالصلح إذا مال إليه الطرف الآخر. وكذلك قوله تعالى: “فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُّمُوهُمْ”، والتي تُعرف بآية السيف، حيث تُفهم أحياناً على أنها دعوة مفتوحة لقتال كل مخالف، بينما هي مرتبطة بعهود نُقضت، وبواقع تاريخي مخصوص، ولا يمكن فصلها عن منظومة كاملة من النصوص التي تضبط العلاقة مع غير المسلمين على أساس العدل والوفاء بالعهد.

ومن أمثلة التحريف أيضاً إساءة فهم قوله تعالى: “وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ”، حيث تُستعمل هذه الآية في تكفير المجتمعات والحكام بإطلاق، دون تمييز بين الكفر الأكبر والكفر الأصغر، ودون اعتبار لتفصيلات العلماء في هذه المسألة، مما يؤدي إلى فوضى في الأحكام، وانفلات في الفتوى، وفتح أبواب الفتنة والاقتتال.

ولا يقتصر التحريف على القرآن الكريم، بل يمتد إلى السنة النبوية، حيث تُنتزع بعض الأحاديث من سياقاتها لتُستخدم في تبرير الغلو والعنف، ومن ذلك حديث: “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله…”، الذي يُفهم أحياناً على أنه دعوة لإكراه الناس على الدخول في الإسلام، بينما بيّنت نصوص أخرى، وعمل النبي صلى الله عليه وسلم، أن المقصود به قتال من يحارب ويمنع الدعوة، لا عموم الناس، بدليل قوله تعالى: “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ”.

وكذلك حديث: “من بدل دينه فاقتلوه”، الذي يُستعمل دون تفصيل، مع أن فهمه عند جمهور العلماء مرتبط بحالة الخيانة السياسية المصاحبة للردة في سياق الدولة الإسلامية الأولى، وليس مجرد تغيير الاعتقاد الفردي في ذاته، وهو ما تؤيده وقائع السيرة، حيث لم يُقتل كل من ارتد، بل كان الأمر متعلقاً بتهديد الجماعة واستقرارها.

إن هذه الأمثلة تكشف بوضوح أن الخلل ليس في النصوص، بل في طريقة التعامل معها، حيث يتم تجاهل السياق، وإغفال المقاصد، وإقصاء بقية النصوص، لصالح قراءة أحادية، تُنتج فهماً مشوهاً، وتُغذي خطاباً متطرفاً. ومن هنا، فإن العودة إلى المنهج المقاصدي في الفهم، ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة شرعية وعقلية، لحماية الدين من التحريف، وحماية المجتمع من الانقسام.

إن المنهج المقاصدي في فهم القرآن الكريم يقتضي النظر إلى النص في ضوء غاياته الكبرى، التي تتمثل في حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، وهي مقاصد لا يمكن أن تتحقق في بيئة يسودها العنف والتكفير والإقصاء. بل إن تحقيق هذه المقاصد يتطلب بناء علاقات قائمة على العدل والإحسان، والتعاون على البر والتقوى، كما نصت على ذلك آيات أخرى صريحة، مثل قوله تعالى: “لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ…”، وهي آية تؤسس لقاعدة ذهبية في التعامل مع الآخر، تقوم على البر والقسط، لا على العداء والقطيعة.

وإذا تأملنا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وجدناها تجسيداً عملياً لهذا الفهم المقاصدي، حيث عاش مع غير المسلمين في المدينة في إطار من التعايش والتعاقد، وأبرم معهم المواثيق، وتعامل معهم بالعدل، بل واستقبل وفودهم في مسجده، وأمّنهم على أنفسهم وأموالهم. ولم يكن هذا السلوك استثناءً، بل كان تعبيراً عن جوهر الرسالة، التي جاءت لتبني الإنسان، لا لتهدمه، ولتجمع، لا لتفرق.

إن من أخطر ما يترتب على التأويل المنحرف للنصوص، هو إنتاج عقلية مغلقة، ترى في الاختلاف تهديداً، وفي التنوع خطراً، فتسعى إلى فرض رؤيتها بالقوة، وتكفير من خالفها، واستباحة دمه وماله. وهذه العقلية لا تمت إلى الإسلام بصلة، بل هي أقرب إلى النزعات الثورية العنيفة، التي ترى في الصراع وسيلة للتغيير، وفي العنف طريقاً للإصلاح، وهو ما يتقاطع بشكل لافت مع بعض النظريات المادية التي تفسر التاريخ بالصراع الطبقي، وتبرر العنف كأداة للتغيير.

ومن هنا، فإن الربط بين بعض التأويلات المتطرفة للنصوص القرآنية، وبين النظريات الثورية المادية، ليس من باب المصادفة، بل يعكس تداخلاً في المنهج والرؤية، حيث يتم إسقاط مفاهيم الصراع على النص الديني، فيُقرأ القرآن بعين أيديولوجية، لا بعين إيمانية مقاصدية. وهذا ما يجعل من الضروري إعادة الاعتبار للمنهج العلمي في التفسير، القائم على الجمع بين النصوص، وفهم السياقات، واستحضار المقاصد.


إن تصحيح المفاهيم المغلوطة التي تُبث في أوساط الشباب، خاصة في ظل الانفتاح الرقمي، بات ضرورة ملحة، تتطلب جهوداً علمية وتربوية متكاملة، تعيد بناء الوعي الديني على أسس صحيحة، وتحصنه من الانزلاق نحو الغلو أو التفريط. ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بإحياء التراث التفسيري الرصين، وربطه بواقع الناس، وتقديمه بلغة معاصرة، تراعي التحديات الراهنة، دون أن تفرط في الأصول.


كما أن إبراز النماذج العملية للتعايش في الإسلام، مثل إباحة الزواج من أهل الكتاب، وتبادل الطعام، والتعامل التجاري، يمثل دليلاً واضحاً على أن العلاقة مع الآخر ليست علاقة صراع دائم، بل علاقة إنسانية مركبة، تقوم على التعارف والتعاون، وتحكمها قيم العدل والرحمة. فكيف يُعقل أن يبيح الإسلام أرقى صور القرب الإنساني، كالعلاقة الزوجية، ثم يدعو في الوقت ذاته إلى القطيعة أو الكراهية؟


إن الخلل لا يكمن في النص، بل في طريقة قراءته، ولا في الشريعة، بل في فهمها. ولذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست بين الإسلام وغيره، بل بين الفهم الصحيح والفهم المنحرف، بين التأويل المنضبط والتحريف المؤدلج. وهي معركة فكرية بالدرجة الأولى، تتطلب وعياً عميقاً، وصبراً في البيان، وحكمة في الخطاب.

وفي الختام، فإن القرآن الكريم سيظل كتاب هداية ورحمة، مهما حاول البعض توظيفه في غير ما أنزل له، وستبقى مقاصده العليا شاهدة على سموه، وعالميته، وإنسانيته. وما على أهل العلم والفكر إلا أن ينهضوا بمسؤوليتهم في بيان الحق، وتصحيح الفهم، وحراسة المعنى، حتى لا يُختطف النص من قبل من لا يحسن قراءته، ولا يدرك غاياته .