تحليل

حتى لا تسقط في الكسل والوهم المريح

محمد الخمسي (باحث ومفكر)

حين ظهرت الآلة الحاسبة فقد التلاميذ الرغبة في القيام بأية عملية حسابية، وبدأ اللجوء إليها حتى لو تعلق الأمر بأبسط عملية الضرب، أما في نهاية الإعدادي فالبحث عن الجدر التربيعي لعدد أولي تكاد تكون مطلبا مستحيلا ويعلم الأساتذة في الرياضيات ذلك. 

انتقل هذا الضعف إلى مجال التفكير، فبمجرد أن يجد الإنسان نفسه أمام موضوع ثقافي، فكري أو سياسي بل وحتى فلسفي يشرع في استنطاق أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على الجواب،  وليس فقط بعض المعلومات، بل ويبدأ في اقتسامها وكأنها أفكاره وفهمه ورأيه، ووصل الأمر حد التعليقات في هذه الغابة  بالذكاء الاصطناعي. 


من أجل دعم التفكير النقدي والمنطق السليم في تناول الأمور يستحسن الاستئناس بما يلي، وهي عبارة عن سلسلة من الأسئلة والتشوير الذي يرفع من المناعة وعدم الاستسلام للسهولة، التي تؤدي حتما إلي التنميط و تعطيل القدرات الذاتية، ومنها أيضا المنع من الاختبار والإبداع.

السؤال الأول والطبيعي الذي يحمي من الاستعجال في الاستعمال هو :

1- هل أحتاج حقاً إلى الذكاء الاصطناعي في هذا الموضوع؟ ومتى أستأنس به؟ ومن خلال الجواب يقرر الإنسان. 

2- أما الأمر الثاني فهو أن الكثير يغفل أنه بقدر ما يستعمل الذكاء الإصطناعي بقدر ما يستعمله هذا الأخير، وبالتالي وجب طرح سؤال خاص يتجلى في :

ما هو حجم المعلومات التي أشاركها مع هذا الذكاء الاصطناعي؟ !

فإذا كانت التطبيقات تطلبها، ما هي مخاطر تزويده بالصور على سبيل المثال أو بمعلومات جد خاصة؟

وكيف يمكن أن ألا تصبح غدا مستعملة بشكل يضرني، خاصة المعلومات الشخصية التي قد تسهل الوصول إلى سرقتي أو استغلال معطياتي البنكية أو معاملاتي المالية؟

3- لاشك أن هناك تنافس بين التطبيقات والأدوات المستعملة في مجال الذكاء الاصطناعي، ولعل مما يميز ويحدد الفارق بين مستعمل ومستعمل هو القدرة الإجابة على السؤال التالي:

هل هذه هي أفضل أداة ذكاء اصطناعي لما أحتاجه؟

 وهل هي الأنسب تصميما للموضوع الذي اشتغل عليه؟ 

إذا كانت الأسئلة الثلاث السابقة تساعد على وضوح الحاجة إلى الاستعمال، ومعرفة مخاطر الاستعمال، فإن السؤال الرابع وما يليه يحدد جودة الاستعمال، ويرفع من قوة التفكير النقدي، بل يجعل الذكاءات الطبيعية توجه بوصلة الذكاء الاصطناعي.

يقتضي ذلك أيضا استعمال الذكاء الاصطناعي عند التعمق في موضوع ما، من خلال أسئلة تتجاوز البديهيات والسطح، وهو وضع يشرحه دينغرا بأن تطوير فهم عميق لموضوع ما يُسهم في الحفاظ على مهارات التفكير النقدي.

وتتمثل بعض الآليات العملية التي تساعد على تحقيق ذلك في:

4- كتابة المسودة الأولى بنفسك، فهذه المسودة النابعة من عقلك دون تأثيرات خارجية مباشرة في الغالب تتميز بالابداع والتحدي، 

5- احرص دائمًا على  ماكتبه كمسودة الأولى بدون الاستعانة من العوالم الخارجية، فهي تدفع إلى تحديد الحاجيات الحقيقية للذكاء الاصطناعي، من مثل التحقق من الأرقام، واستخراج البيانات غير المنظمة، ومراجعتها  وتحدد طرق استعمالها وتوظيفها.

6- في الغالب ما يكون هذا التمرين صعبا، بل صعب جدا وهو البحث عن طرق لتحدي عقولنا،

 من أعظم الفوارق بين نظام تعليمي ونظام تعليمي اخر هو تملك المتعلمين وتدريبهم  على تحدي عقولهم وعقول أقرانهم وعقول محيطهم، أمر يشترط بيئة حرية التفكير وحرية السؤال، وكلما كانت المنظومة تعاني من نقص في ذلك أي حرية التفكير وحرية السؤال كلما كانت أعجز عن التحدي لسقوفها! 

7- التدريب الذاتي على مرونة الدماغ، وهو أمر يتحقق بالفضول على معرفة ما ينجز في تخصصات أخرى.

 إن توظيف جاك لاكان لعلوم الطبولوجيا من أجل دراسة النفس البشرية علامة على عقل مرن إلى أبعد الحدود، إن الدماغ "يحتاج إلى تمرين" ليظل في حالة نشاط وحدة عالية، ويتحقق ذلك بمستوى المرونة التي تقتضي الإنصات 

 والتفكّر قبل تقديم الأوامر أو النصائح أوامر. 

قال مايك وين المسؤول التنفيذي في أكاديمية بنك أوف أميركا لشؤون قدرات الذكاء الاصطناعي ومنتجات التعلّم المؤسسي، لموقع "بيزنس إنسايدر"، إن الذكاء الاصطناعي يُمكنه تعزيز التفكير الاستراتيجي. ومع ذلك، فإن تقديم أوامر وطلبات بسرعة إلى النماذج اللغوية الكبيرة والاعتماد على النتائج دون التحقق منها يقوض هذه الفائدة.

8- مما يميز الأذكياء أو الذين يوظفون الذكاء الطبيعي أنهم لا يقبلون كل المخرجات، فالإنسان بحاجة إلى تنمية مهارات التمييز لديه، ومن خلالها يتجنب كثيرا من الأخطاء لأنه يرصد المخرجات التي يشك فيها ويراجعها، بل يعود لفحص كل مسلسل إنتاجها.

9- من علامات التحرر من الاستنزاف بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي بشكل مفرط هو امتلاك القدرة على الطموح.

وهنا يسأل ستيرنفيلز:

 ما الذي لا تستطيع النماذج القيام به؟ 

وكان حوابه: الطموح، عليك تحديد الطموح الصحيح... هذه قدرة إنسانية فريدة".

وأضاف أنه ينبغي السعي لتطوير مهارات الطموح وإقناع الآخرين بهذه الطموحات.

10- إن العقل الجبار في الرياضيات غودل علمنا أنه يمكن بناء أنساق يتعايش فيها الصواب والخطأ، وكأننا أمام الفكر الطاوي، وبالتالي نحتاج إلى الحكم السليم في لحظة معينة وفق شروط معينة، فلا يوجد صواب أو خطأ في النماذج المصممة من الذكاء الاصطناعي بالمطلق، وبالتالي نحتاج إلى تحديد المعايير الصحيحة وفق طبيعة وخصوصية الإنسان التي تحتاج إلى العدل والأخلاق، ونحن لا نشك في كون الإنسان يبدع في المهارات اللازمة لوضع بنية المجتمع غير أن الظلم والعدل واضح لكل الأمم والشعوب.

ونماذج الذكاء الاصطناعي لا تصنع الحق والخير و الجمال والأخلاق، ففي أقصى الحالات تقدم نماذج استدلالية يستأنس بها لتحديد  خطوة تالية أكثر احتمالية للعمل، ولكن لا تعطيه جوهره وروحه،  وهذا المثال يوضح ذلك:

يستطيع الذكاء الاصطناعي أن ينتج لك عطور  تساعد على السعادة او الإثارة أو الرغبة أو القتل، لكن قرار استعمال ذلك وبأي هدف وغاية وهو قرار الإنسان .


الخلاصة: 

حسن استعمال الذكاء الاصطناعي يكمن في القدرة على التفكير خارج الأنماط السائدة، والتوصل إلى نهج جديد كليًا، وليس العودة إلى التفكير داخل الصندوق المسمى الآن، وتحت عنوان:

الاستسلام للذكاء الاصطناعي تحت عباءة لا تبدو للجميع:

"عنوانها الكسل والوهم المريح"