سياسة واقتصاد

ماكرون، ماسك، ونهاية وهم السوق الحر

ادريس الفينة (محلل اقتصادي)

عندما قال إيمانويل ماكرون إن إيلون ماسك “مفرط الدعم” من الدولة الأمريكية، بدا التصريح استفزازياً للوهلة الأولى. لكن خلف العنوان كان هناك شيء أعمق بكثير. لم يكن الأمر هجوماً على ملياردير، بل تحدياً لسردية راسخة لطالما صدّقناها تلك الفكرة المريحة التي تقول إن عمالقة التكنولوجيا يصعدون بفضل عبقرية فردية خالصة وسوق حر بلا تدخل.


الواقع أكثر تعقيداً. وأكثر استراتيجية أيضاً.


خلال العقدين الماضيين، استفادت شركات ماسك وعلى رأسها Tesla وSpaceX من عشرات المليارات من الدولارات من الدعم العام في الولايات المتحدة. قروض حكومية، إعفاءات ضريبية، عقود فيدرالية، شراكات بحثية. التقديرات تشير إلى أن الإجمالي يتجاوز 38 مليار دولار. في لحظة حرجة من مسيرة Tesla، ساهم قرض بقيمة 465 مليون دولار من وزارة الطاقة الأمريكية في إنقاذ الشركة من الانهيار. وفي عام 2008، منح عقد بقيمة 1.6 مليار دولار من وكالة ناسا SpaceX دفعة حاسمة من حيث الإيرادات والشرعية. ثم تلت ذلك عقود دفاعية وفضائية بمليارات إضافية.


هذا لا ينتقص من إنجازات ماسك. لكنه يعيد وضعها في سياقها الصحيح.


فالابتكار بهذا الحجم لا يولد في فراغ. إنه ينمو داخل منظومات متكاملة. وفي المنظومة الأمريكية، الدولة ليست مراقباً بعيداً، بل فاعلاً نشطاً. تموّل المخاطر، تضمن الطلب، وتخلق الأسواق قبل أن تنضج بالكامل. وعندما تصل الشركات إلى مرحلة القوة، تنافس عالمياً بصفتها كيانات خاصة لكنها تستند إلى قاعدة استراتيجية عامة غير مرئية.


رسالة ماكرون لم تكن تعبيراً عن غيرة، بل عن وضوح رؤية.


عندما أشار إلى Starlink، لم يكن يتحدث عن خدمة إنترنت ريفية، بل عن بنية تحتية أصبحت تؤثر في الاتصالات العسكرية، وأنظمة الطوارئ، والملاحة البحرية، وحتى توازنات الحروب الحديثة. شبكات الأقمار الصناعية لم تعد رفاهية تكنولوجية، بل شرايين استراتيجية. وعندما تكون هذه الشبكات مملوكة لشركات مرتبطة بعقود فيدرالية أمريكية عميقة، فإن الخط الفاصل بين القطاع الخاص والقوة الوطنية يصبح ضبابياً.


بالنسبة لأوروبا، هذا الإدراك مقلق.


لسنوات طويلة، قدّم الاتحاد الأوروبي نفسه كحارس لقواعد المنافسة والانضباط المالي. تم تقييد مساعدات الدولة بدقة، واعتُبرت حيادية السوق قيمة أساسية. في المقابل، كانت الولايات المتحدة والصين تمضيان قدماً في سياسات صناعية هجومية، توجّه رؤوس الأموال العامة نحو أشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والبطاريات، والفضاء، والمعادن الاستراتيجية. أوروبا نظّمت واستهلكت. غيرها موّل ووسّع النفوذ.


تصريحات ماكرون تعكس نقطة تحول. فهو يلمّح إلى أن السيادة لها ثمن. وإذا كانت القوى الأخرى تبني تفوقها التكنولوجي بأموال عامة، فلا يمكن لأوروبا أن تبقى متمسكة بنقاء أيديولوجي للسوق. من دون استثمار استراتيجي في صناعاتها الحيوية، ستجد نفسها في موقع تبعية دائمة لمنظومات ممولة من خارجها.


المسألة لم تعد تنافساً اقتصادياً فحسب، بل واقعاً جيوسياسياً.


القوة اليوم لا تُقاس فقط بالأسلحة والجيوش، بل بعدد الأقمار الصناعية، وبالبنية التحتية السحابية، وبقدرة إنتاج الرقائق الإلكترونية، وبالتحكم في المعادن النادرة. من يمول الابتكار في مراحله الأولى يملك نفوذاً في مراحله اللاحقة. العالم يدخل سباق إعانات جديد ليس بدافع أيديولوجي، بل بدافع الضرورة الاستراتيجية.


هذا التحول يخلق توترات. داخل أوروبا، تستطيع الدول الأغنى ضخ أموال أكثر من غيرها. وعبر الأطلسي، قد تتصادم الدعوات الأوروبية إلى “اشترِ أوروبياً” مع النزعات الحمائية الأمريكية نفسها. لكن الأهم أن الفصل التقليدي بين الدولة والسوق يتآكل.


القرن الحادي والعشرون لا تحكمه عبقرية فردية وحدها، ولا بيروقراطية الدولة وحدها، بل تحالفات بين رأس المال والسلطة العامة، بين الابتكار والأمن، بين التكنولوجيا والسيادة.


تصريح ماكرون، بعيداً عن العناوين المثيرة، هو جرس إنذار. إيلون ماسك ليس المشكلة، بل المثال. نجاحه يوضح ما يحدث عندما تعتبر دولة ما أن التكنولوجيا ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل أداة قوة.


السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كان المال العام يشكل الابتكار فذلك أصبح واضحاً بل أي الأنظمة السياسية تدرك هذه الحقيقة مبكراً وبقدر كافٍ من الحسم لتتصرف وفقها.


أوروبا اليوم أمام خيار: أن تبقى سوقاً مفتوحة، أو أن تصبح فاعلاً استراتيجياً.


وهذا الخيار قد يحدد موقعها في القرن القادم.