مجتمع وحوداث

ما بعد القرار

ميمونة الحاج داهي (تدوينة)

يبدأ عمليا من لحظة الانتقال من الإعلان إلى التنفيذ. ثلاثة مليارات درهم رُصدت لدعم المتضررين من الفيضانات، لكن القيمة الفعلية للقرار ستتحدد بمدى قدرته على إحداث أثر ميداني ملموس في آجال معقولة وبمعايير واضحة.

أول ما سيُختبر هو سرعة التنزيل. في حالات الكوارث، الفارق بين أسبوع وشهر ليس تفصيلا إداريا، بل عامل استقرار اجتماعي. إعادة فتح الطرق، إصلاح القناطر، إعادة ربط شبكات الماء والكهرباء، وصرف التعويضات للفلاحين والأسر المتضررة، كلها عناصر تحدد ما إذا كان التدخل استجابة ناجعة أم مجرد التزام مالي مؤجل التنفيذ.

ثاني عنصر حاسم هو دقة تحديد المستفيدين. تصنيف الأضرار إلى كلية أو جزئية، وضبط لوائح المتضررين، وتقييم الخسائر الفلاحية، تتطلب آليات تقنية دقيقة لتفادي الإقصاء أو التقدير غير المنصف. أي اختلال في هذه المرحلة قد يخلق توترا اجتماعيا ويفتح باب التشكيك في عدالة التوزيع.

الشق الأكبر من الميزانية موجه إلى البنيات التحتية. هذا الاختيار يعكس توجها يعتبر أن إعادة تشغيل الدورة الاقتصادية أولوية. غير أن إعادة التأهيل ينبغي ألا تقتصر على إصلاح ما تهدم، بل يجب أن تأخذ بعين الاعتبار معايير الصمود المناخي. تكرار الفيضانات في عدد من الأقاليم يفرض إدماج معطيات حديثة حول تغير أنماط التساقطات في تصميم الطرق والمنشآت المائية.

هناك أيضا بعد الحوكمة. تنفيذ برنامج بهذا الحجم يمر عبر صفقات عمومية، آجال إنجاز، ومراقبة جودة. الشفافية في نشر نسب التقدم، الكلفة النهائية، وهوية المتعهدين، تمثل شرطاً أساسياً لحماية القرار من أي تأويل سلبي ولتعزيز الثقة في مسار التنفيذ.

على المدى المتوسط، التحدي لا يقتصر على التعويض وإعادة البناء، بل يمتد إلى مراجعة سياسات التعمير وتدبير المجال. البناء في مناطق منخفضة أو قريبة من مجاري الأودية، وضعف شبكات تصريف المياه، عوامل تساهم في تضخيم أثر الفيضانات. إن لم تُعالج هذه الجذور، سيبقى التدخل في دائرة رد الفعل بدل الانتقال إلى منطق الوقاية.

ما بعد القرار إذن هو اختبار لقدرة الدولة على تحويل الاعتمادات المالية إلى نتائج قابلة للقياس، وعلى الانتقال من إدارة الأضرار إلى إدارة المخاطر. نجاح هذه المرحلة سيُقاس أيضا بمدى تقليص آثار الفيضانات مستقبلا، لا فقط بحجم التعويضات الحالية..