(13 فبراير).. في هذا اليوم الذي تحتفي فيه الإنسانية بصوتها الأكثر دفئا وقربا من الناس، الإذاعة، أجدني أعود بالذكريات تلقائيا إلى ذلك الاستوديو الصغير بمدينة فاس، حيث كانت الكلمات تُصاغ بكل عناية وأحيانا على عجل، والأنفاس تُضبط قبل فتح الميكروفون، وحيث كنا نعرف أن جملة واحدة قد تصنع وعيا، أو تُهدّئ قلقا، أو تعيد الأمل إلى مستمع لا نراه ولكن نشعر به.
ستّ سنوات من العمل الإذاعي (وسط سنوات طوال أخرى بين الصحافة المكتوبة والرقمية وإدارة النشر والتكوين..) ستّ سنوات، لم تمرّ عليّ كوظيفة، بل حفرت في ذهني ووجداني شغفا لا يمحوه الزمن. في كل ميكروفون وقفت أمامه، كنت أتعلم كيف يُصاغ الصوت ليصبح معنى، وكيف تتحوّل الكلمة إلى مسؤولية تجاه الناس.
الإذاعة ليست جهازا ولا موجة، الإذاعة علاقة..
علاقة ثقة بين صوت في الاستوديو وآلاف المستمعين خلف السماعات.
حين كنت أشتغل كمعدّ ومقدّم برامج، ثم كمدير للبرمجة، تعلّمت أن الميكروفون ليس امتيازا، بل مسؤولية أخلاقية. هو اعتراف يومي بأنك تدخل بيوت الناس بلا استئذان، فتحتاج إلى ما يكفي من الصدق، والاحترام، والوعي.
في الإذاعة تعلّمت الحرفة في أنقى أشكالها: كيف تُحوّل خبرا جافا إلى قصة مفهومة، كيف تُصغي أكثر مما تتكلم، وكيف تدير الوقت، والنقاش، والانفعال، والاختلاف، في بث مباشر لا يعترف بالأخطاء.
والشغف؟
هو أن تصل إلى الأستوديو قبل الجميع، أن تراجع ورقة الأسئلة للمرة الخامسة، أن تشعر بخفقان القلب قبل فتح الميكروفون، رغم أنك فعلت ذلك آلاف المرات.
هو أن تحزن إذا تعطّل جهاز، وتفرح إذا خرج حوار صادق، وتغضب إذا أُهين ذكاء المستمع.
الإذاعة علّمتني أن الإعلام ليس صخبا، بل إنصات وتمعّن وإتقان الجواب.
وأن الصحافة ليست رأيا، بل بحثا عن الحقيقة وسط الضجيج.
في اليوم العالمي للإذاعة، لا أحتفل بجهاز يبثّ، بل بمهنة تُهذّب، وتُعلّم التواضع، وتفرض الانضباط، وتُحمّل صاحبها التزاما أخلاقيا دائما تجاه الناس.. في اليوم العالمي للإذاعة، لا أحتفل بموجة ولا بميكروفون، بل بمهنة علمتني الاستماع إلى الناس، أفرح لفرحهم وأحزن لحزنهم، الإذاعة ربّتني على الانضباط، وربطت صوتي بمسؤولية تجاه الآخرين.
أحتفل بزملاء خبرتهم عن قرب، زملاء كانوا يصنعون كل صباح ذاكرة مدينة، ونبض جهة، ووجدان مستمعين.. فاس والكل في فاس..
وأحتفل بزملاء آخرين يعملون بجد وبحيوية وبمعرفة لا بالصخب.
تحية لكل من ما زال يؤمن أن الصوت يمكن أن يكون أصدق من الصورة، وأن الكلمة المسموعة، إذا خرجت من ضمير مهني، يمكن أن تغيّر الكثير.
الإذاعة لم تكن يوما مرحلة عابرة في مساري، كانت مدرسة، وبيتا، وهوية طيلة السنوات الست.
كل عام والإذاعة بألف خير.






