قضايا

عاش الملك.. ميثاق تسطره عفوية القلوب

برعلا زكريا (باحث في علوم الأديان)

وثقت عدسات الكاميرات والهواتف النقالة خلال كارثة الفيضانات الأخيرة التي ضربت منطقة الغرب ومدينة القصر الكبير مشاهد عفوية لمواطنين بسطاء فقدوا منازلهم ومواشيهم التي تشكل كل رأسمالهم وهم يرددون عبارة عاش الملك لحظة إجلائهم من طرف السلطات أو أثناء تعبيرهم عن حجم الخسائر، في سلوك سوسيولوجي يعكس طبيعة العلاقة العمودية المباشرة التي تربط المواطن المغربي برئيس الدولة متجاوزين بذلك كل الوسائط الإدارية والحزبية التي قد تكون محط سخط أو شكاية.

تشكل هذه العبارة في القاموس السياسي والاجتماعي المغربي وثيقة تأمين تاريخية تضمن استمرارية الدولة لأكثر من اثني عشر قرنا وهي ليست بدعة مغربية بل تقليدا راسخا في الأنظمة الملكية العريقة، حيث ردد الفرنسيون عبارة مات الملك عاش الملك منذ عهد شارل السابع لضمان استمرار العرش وعدم فراغ السلطة ويردد البريطانيون ليحفظ الله الملك نشيدا وشعارا يجسد وحدة التاج البريطاني، لكن الحالة المغربية تكتسي بعدا تعاقديا يسمى البيعة يجعل من الملك الملاذ الأخير والحكم الأسمى لإنصاف المظلومين وتدبير الأزمات الكبرى وهو ما يفسر لجوء المواطن لهذه العبارة في لحظات الفرح بانتصارات المنتخب وفي لحظات الشدة كزلزال الحوز وفيضانات الغرب.

يكشف الرصد الدقيق للمشهد الإقليمي أن هذا الارتباط العضوي بين العرش والشعب هو صمام الأمان الذي حمى المغرب من سيناريوهات الفوضى والتقسيم التي عصفت بدول الجوار والمنطقة العربية، ففي الوقت الذي تحولت فيه جمهوريات شعاراتية إلى دول فاشلة أو ثكنات عسكرية مغلقة حافظ المغرب على استقراره بفضل شرعية تاريخية ودينية لا تتوفر للأنظمة المستحدثة التي ولدت من رحم الانقلابات العسكرية حيث يرى المواطن في المؤسسة الملكية الضامن الوحيد لوحدته الترابية وأمنه الغذائي والروحي وسط محيط مضطرب.

تتعرض هذه العلاقة العفوية لحملات ممنهجة من طرف كتائب الذباب الإلكتروني التابعة للنظام العسكري في الجارة الشرقية التي تجند آلاف الحسابات الوهمية للسخرية من ترديد المغاربة لشعار عاش الملك في محاولة بئيسة للتغطية على الواقع المزري الذي يعيشه المواطن الجزائري الذي يقضي ساعات طوال في طوابير لا تنتهي للحصول على أكياس الحليب والعدس والسميد في دولة غنية بالنفط والغاز لكنها فقيرة في الشرعية والإنجاز.

يحاول النظام العسكري الذي يفتقد لأي عمق تاريخي أو شرعية شعبية تعويض عقدة النقص تجاه المملكة الشريفة عبر تسخير عائدات المحروقات لتمويل حملات التشويش الإعلامي مستغلا جهل قطيع الذباب الإلكتروني بحقائق التاريخ والجغرافيا، فهؤلاء الذين يسخرون من ولاء المغاربة لملكهم يعيشون تحت وطأة نظام قمعي يتحكم في أنفاسهم ويصادر حقهم في تقرير المصير محولا بلدا بحجم قارة إلى سجن كبير يحكمه جنرالات لا يتقنون سوى لغة التهديد والمؤامرات الخارجية.

تبقى عبارة عاش الملك عقدة في حلق خصوم الوحدة الترابية وشوكة في حلق النظام العسكري الذي فشل في بناء دولة مؤسسات فلجأ إلى صناعة العدو الوهمي وتصدير أزماته الداخلية بينما يواصل المغرب مساره التنموي وتدبير أزماته الطبيعية والاقتصادية في إطار من التلاحم بين العرش والشعب وهو المعطى الذي يضمن للمملكة مناعة صلبة ضد كل محاولات الاختراق أو التشويش القادمة من الشرق.