رأي

نور الدين مفتاح: حذار أن تصبح عواطفنا واندفاعاتنا أكبر عدو لمنجزاتنا

مدير نشر أسبوعية “الأيام” الورقية والموقع الإخباري الإلكتروني “الأيام24”

الذي جرى الأحد  (18 يناير 2026) يمكن تشبيهه بعرس أسطوري محكم التنظيم انتهى في الفجر بوفاة العريس!! معذرة على المبالغة، ولكن السحابة الخرافية للحزن ماتزال تخيم على المغاربة، بعد فقدان كأس إفريقيا للأمم بشكل دراماتيكي. ما كان ينتظر أن يكون تحقيقا لحلم أمة – كما يقول الشعار المضخم – أصبح إحباطا جماعيا يجر أذياله جل المغاربة إلى الآن.

   هل يحصل كل هذا من أجل لعبة هي في النهاية مجرد ترفيه! نعم، لقد تجاوزت كرة القدم، بنوع من التوافق الجماهيري العالمي، كونها مجرد لعبة، وأصبحت قوة مستقلة بذاتها تقارع قوة السياسة وقوة المال وقوة الدول نفسها، وصارت تكثيفا لأكثر الشحنات العاطفية الجماعية جنوناً. بل إن القميص الوطني أصبح قطعة قماش تحمل أفئدة شعب وتشكل امتدادا للعلَم والنشيد الوطنيين، وملتقى لتجسيد الانتماء ولحمة المشترك وعنوان الهوية.

   كل هذا أصبح واقعا لا يرتفع، إلا أن رهانات الدول تختلف حسب مواقعها واختياراتها، وفي المغرب، كان الرهان على كرة القدم بحجم أصبحت معه قضية وطنية. ودون شعور بخطورة الاندفاع، بدأ النفخ في بالون الأحلام حتى أصبح الواقع هو أن الفوز بالكأس القاريّة، بعد 50 سنة من الانتظار، هو مصير أمة ومجد سيذكر في التاريخ، وملحمة وطنيّة ستكتب بمداد الفخر لنكون للعلا عنوان.

   بالطبع كان كل هذا يشتدّ على خلفية بنى تحتية غير مسبوقة في المغرب، تسعة ملاعب بمستوى عالمي وواسطة العقد مركب الأمير مولاي عبد الله بالرباط. كنا نسعى إلى الإبهار ونتوق إلى أن يسجل التاريخ أن الدورة 35 من هذه الكأس ستكون هي الأحسن تنظيما من جميع الدورات السابقة، بل ذهبت الحماسة بالبعض إلى أنها ستكون الأحسن حتى بالنسبة لكل الدورات اللاحقة. ولم يخطر على بال أحد خطر كامن في طموح مشروع جارف، وهو أن تسقط الكأس من أصحاب العرس الباذخ، ونكون ضحية الصورة التي رسمناها في عقول المغاربة عن أن الانتصار يساوي المجد، وبالمقابل كانت الخسارة تساوي الانهيار، إن لم أقل الإذلال الوطني.

   لقد كنا ضحية يقين أعمى بدل أن نكون رفاق ثقة مشروعة، كما أن الحدود بين الفخر المشروع والاندفاع جد هشة لدرجة أن البعض كان يلعب بالنار. وحتى ونحن في موقع قوة من حيث بنيات تحتية مبهرة وتنظيم جيد وفريق وطني تصل قيمته السوقية – وهي الأعلى – إلى ما يقارب 450 مليار سنتيم، فإن هذا البعض دخل في ملاسنات وملاججات مع مسؤولي فرق وجماهير منتخبات أخرى، قد تكون بيننا وبين بلدانها خلافات سياسية، إلا أننا لم نختر الترفع الذي يفرضه موقعنا كمنظمين استثنائيين لدورة استثنائية.

   إن الخسارة بدأت قبل أن يخسر المنتخب المغربي مباراته النهائية الأحد الماضي. كانت الطريقة التي دبّرنا بها إنجازنا قد قوبلت بعكس ما كنا ننتظره من كرم الضيافة، فتفجر نوع من الإحساس بنكران الجميل. وحتى وإن كان هذا الإحساس صادقاً، فإن تأجيجه جماهيريّاً كان خطأ فادحا، وبدأت تنسج رويداً رويداً نظرية المؤامرة، وحولت الأنظار – في أسوأ سيناريو ممكن لمجريات هذه الدورة – عن وجه هذه المملكة التي أرادت أن تقدم لإفريقيا وعبرها العالم قصة نجاح ووجه بلد صاعد استطاع إحداث ثورة في بناه التحتية، إلى أمور جانبية، في مشكل فندق هنا، وقطار هناك، وملعب تدريب وحكم في مباراة…

   نجح هذا الانحراف، وفشلنا إعلاميا وتواصليا في احتوائه، ووجدنا أنفسنا عزلا تماما بلا أدوات للدفاع عن الحقيقة، بل ربما سقطنا في الفخ، بفضل بعض كبار الشوفينيين الذين لم يخرجوا من شوفينيتهم حتى بعدما سقط السقف على رؤوسنا جميعا!

   أعتقد جازماً أن ما قام به مدرب المنتخب المصري حسام حسن وتوأمه، وكذا ما روج له الإعلام الجزائري من خزعبلات عقب هزيمة منتخبهم أمام نيجيريا، وخصوصاً ما قام به المدرب السينغالي بابي ثياو كان ظالما للمغرب وللمغاربة، إلا أن هذه المناوشات لم تكن لتنجح لو أحسنا إدارتها، ولو لم ننجرَّ إلى خطاب انعزالي متعال خاطب الهوية المنغلقة، ومفاده أننا لا نريد أحداً، لا مشارقة ولا أفارقة. تمغربيت فقط وليشرب العالم البحر!

   مشكل هذا الخطاب، الذي وجد صدى لدى الآخرين، هو أن هذه «القيامة» كلها التي انخرط فيها المغرب وخصص لها موارد مالية ضخمة كانت أساساً من أجل مغرب إفريقي مقبل على احتضان كأس العالم، وهذا التوجه الذي يعكس قمة الانفتاح، متناقض مع خطاب مكبل بقمة التقوقع. والغريب أنه بعد خسارتنا المؤلمة في المباراة النهائية، سكت العامة وانتفضت بعض النخب التي أخرجت تصريحات للمفكر المغربي عبد الله العروي منتزعة من سياقها، حول أن المغرب جزيرة وعلينا أن نتصرف كذلك.

   طيب! ماذا علينا أن نفعل؟ لا جواب! والمشكل أن العروي كان يتحدث عن أمور أعمق بكثير من تداعيات دورة من دورات كأس إفريقيا للأمم، ورغم ذلك كانت الإسقاطات المتهافتة تزيد من حجم الخسائر التي نحصيها إلى الآن بعد هذه «الكان» التي ستظل محطة لاستخلاص الدروس والعبر.

   إننا بلد بني على الانفتاح وحافظ على هويته بتنوعه، وتسويق «تمغربيت» على شكل «عرق خالص» هو وهم خالص، وتجني فاضح على هوية أمازيغية عربية إفريقية بروافد متنوعة نص عليها الدستور، وإن كان تاريخنا قد ارتبط بالمشرق والبعد العربي الطاغي منذ قرون، فإن العهد الجديد انبنى على ترسيخ البعد الإفريقي للأمة المغربية، وحكم محمد السادس سار على هذا الدرب، وكان الملك المغربي الأكثر زيارة للدول الإفريقية. وحتى وأننا دولة بدون موارد خارقة، فقد أصبحت بالديبلوماسية والنفوذ لاعبا اقتصاديا كبيرا في إفريقيا، بنكيا وفلاحيا وفي الاتصالات والعقار والطاقة، وحققنا أكبر الاختراقات في التاريخ، فثلثا إفريقيا مع السيادة المغربية على أقاليمنا الجنوبيّة، ولنا امتداد روحي حقيقي في دول إفريقية عدة على رأسها السينغال، حليفنا وصديقنا الأول في القارة، والذي يريد البعض أن يختزل بلاد الرئيس الشاعر ليوبولد سيدان سانغور في خبث مدرب أو نزق جمهور أو فريق كروي. وقد بنينا سياسة هجرة طموحة في التوافق مع حقوق الإنسان، وأصبح الإفريقي جزء من فضائنا العام يتقاسم معنا الحياة كما يتقاسمها المهاجرون المغاربة مع الآخرين عبر القارات.

   نحن نلعب الكرة ولا نلعب في هذه المسائل الاستراتيجية، لدرجة أن البعض أصبح بفعل الصدمة يسب بعنصرية في الشعوب الإفريقية، وساد خطاب غيرة العالم من المغرب وكأننا في علاقة غرامية! فأصبحت عواطفنا واندفاعاتنا هي أكبر عدو لمنجزاتنا. بل إن هذه التقلبات العاطفية والشحن والتضخيم، جعلت الضغط يكبر على المنتخب الوطني نفسه، وأصبح فريق الركراكي بنفسية جيش عليه أن يخوض معركة حياة أو موت من أجل الأمة، وكأنها حرب حضارية وليست حربا كروية! بل إن ضربة الجزاء أصبحت في مخيال إبراهيم دياز كآخر رصاصة قبل الطوفان، فلم تسعف القدم اللاعب الموهوب وانتهى كل شيء إلى خيبة أمل كبرى مرارتها ما تزال في الحناجر والقلوب.

   ما حققناه في الدورة جميل، أو لنقل مبهر! ولكن المبالغة والأسطرة تقتل المنجزات، ويتحول النجاح في قطاع معين إلى ما يشبه الحصانة، ويحاط المسؤولون الكرويون أحيانا بسياج من الحماية من المساءلة بدعوى أن السؤال هو عنوان للعداء للنجاح أو تناغم مع أعداء المملكة، وهذا يجعل المجال يدبر بلا حساب، ليس في الأداء والتكوين وبناء الملاعب فقط ولكن في التواصل وتدبير العلاقات مع الشركاء والتموقع في رقعة الفعل الرياضي القاري والعالمي.

   إن المطلوب كان هو جعل الآخرين يحسون أن المنجز الوطني هو مفخرة للجميع، عن طريق تسويقه بروح هذا المغرب العربي الإفريقي العالمي الذي يطمح لتقديم صورة مشرفة عن قارة واعدة، وليس صورة المغرب الذي يريد أن يغيظ العدا – كما قال الشاعر- لأن هذا طموح أصغر من المغرب نفسه وطاقاته وأحلامه. ولهذا لا تليق بنا الانعزالية ولا العجرفة ولا التعالي، لأن تواضع الكبار هو كأسنا، وهو اللباس الذي كان دائما للمملكة على المقاس.

   وHard Luck للمنتخب المغربي.