لعل من أولويات الممارسة السياسية ببلادنا، ومن شروط ضمان تأطيرها الايجابي والمباشر في التعبئة والمواكبة والتأطير الحر المجتمعي، هو ضمان ذلك النوع من الحركية التنظيمية الدائمة والمستمرة داخل التنظيمات السياسية، بالشكل الذي تجعلها قادرة على إنتاج الأفكار وتجديد الدماء والدفع بالمبادرات المتقدمة والجريئة في افق خلق حركية مجتمعية مواكبة ومترصدة لما يحدث داخل المجتمع.
من هنا يبقى أهم مؤشر على هذه الحيوية المطلوبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، هو تفعيل دور التنظيمات الداخلية للأحزاب، من قطاعات مهنية ونقابية وشبيبية ونسائية وجمعوية... بما يساهم في بلورة تصورات متقدمة تكون قادرة على الإجابة عن مختلف الأسئلة ذات الطابع الاستعجالي من جهة، وخلخلة البنيات الفكرية النمطية والثابتة، التي تكون قد استنفذت كثيرا من فاعليتها أمام المستجدات المتسارعة التي يفرزها الواقع المعيش.
انطلاقا من هذا الأفق التنظيمي الصحي، سارع الاتحاد الاشتراكي بقيادة ادريس لشكر منذ اختتام اشغال المؤتمر الوطني الحادي عشر ، إلى الانخراط في حركية تنظيمية شاملة، كان الهدف منها القطع مع الجمود والحد من الفوضى، الهدف منها هو السعي لبناء جسم تنظيمي قوي، منفتح ومعافى، كفيل باستقبال أفكار جديدة وأطر شابة، أبانت من خلال ممارستها للفعل السياسي اليومي على امكانية متطورة وغنية لافادة الحزب وامتداداته المجتمعية على حد سواء.
وهكذا، وفي ظرف وجيز وزمن قياسي، انخرط جميع الاتحاديين والاتحاديات في تجديد هياكلهم التنظيمية محليا واقليميا وكذا قطاعيا. هذا التجديد الذي تميز في مجمله بالانفتاح العقلاني الكبير على طاقات وأطر جديدة من الشباب والنساء والفعاليات المحلية الأمر الذي يمكن ان يشكل نقلة نوعية تساهم إلى جانب تقوية مسيرة الاتحاد النضالية، في خلخلة الركود الذي بات في كثير من تمظهراته العنوان البارز للممارسة الحزبية ببلادنا.
فعلى امتداد الشهور الماضية تمكن الاتحاد الاشتراكي من تنظيم مجموعة من المؤتمرات الاقليمية مع ما تطلب ذلك من جهود فكرية واجتهادات سياسية، هذا اضافة إلى هيكلة العديد من القطاعات المهنية التي شكلت فرصة سانحة لفتح حوارات صريحة جادة ومسؤولة مع مختلف القواعد الحزبية، ومن خلالها مع الرأي العام الوطني قاطبة، وهكذا انخرط الحزب بارادة واعية وهادفة وطموح مستقبلي، انخرط في هيكلة العديد من القطاعات الحزبية الحيوية: التعليم العالي، المهندسون، الفوسفاط، الأطباء ، المحامون... وهو عازم على المضي في الطريق بهيكلة كل القطاعات الفاعلة في مجتمعنا، اذ التحضير لهيكلة قطاع المثقفين ... قائم بجدية نضالية وعمل مسؤول.
لقد شهد الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، خلال الاشهر القليلة الماضية ، انخراط كل مناضليه في ورش جديد من أوراش تجديد الآلة التنظيمية الحزبية، هذا الورش الذي شكل فرصة أخرى اضافية أسهمت فيها كل قطاعات وأجهزة وتنظيمات الحزب الموازية في الاعلان عن ميلاد حركية جديدة، حركية غلب عليها هاجس التغيير، بما يساهم انطلاقا من توظيف هويتنا وثرواتنا وتاريخنا الحزبي، في بناء حزب الغد، بالشكل الذي يجعلنا أكثر انسجاما وتجاوبا مع مختلف المستجدات من الأحداث.
ولعل هذا الطموح الايجابي الذي يحرك الكاتب الأول ادريس لشكر هو ما يؤكد مرة أخرى أن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ليس حركة جامدة ، كما ليس قوة انتظارية ثابتة وغير فاعلة في مجريات الأحداث، بل على العكس من ذلك إنه قوة اقتراحية حية، خلاقة، ديناميكية ومفاجئة.
وبالرجوع إلى ما شهدته مجموعة من الأقاليم من حركية ملفتة، خلال الأشهر القليلة الماضية وعلى امتداد الخريطة الوطنية، يتضح أن هذا التطلع لا يراهن إلا على المستقبل، وعلى ما يساهم في ترسيخ سبل الرقي بمجتمعنا إلى ما هو أفضل.
إن أهم ما طبع كل المؤتمرات التي انعقدت حتى الآن، لا سيما في شقيها المتعلقين بمجريات الأشغال وكذا تشكيلات الجديدة التي افرزتها انتخابات الأجهزة المسيرة ، هو هذا الاهتمام بالفئات الفاعلة داخل المجتمع ولا سيما فئة لشباب والنساء، هذا إلى جانب تكثيف المجهودات الموازية والمكللة لهذا المسلسل، والتي تتجسد بوضوح في احياء وتنشيط القطاعات الحزبية، التي تشكل صلة موصل مباشرة مع عموم الشارع المغربي.
تكمن اهمية هذه المؤتمرات ايضا ، في الانفتاح وضرورة الانفتاح على واقعنا المغربي المتجدد، المعقد والمليئ بالتساؤلات. لذلك ، فان من السمات الصحية التي رسختها هذه المؤتمرات كذلك، كونها فتحت بل جددت الحوار بين نختلف مكونات الرأي العام الاتحادي ، الذي يعتبر جزءا من الراي العام الوطني. كما شكلت فرصة اضافية لمزيد من التواصل الميداني المباشر، لما يكفل مزيدا من طرح القضايا الملحة، سواء الاقتصادي واو الاجتماعية او الثقافية، وما الى ذلك، اما محليا او اقليميا او جهويا او وطنيا.
لقد ابانت هذه الحركية التنظيمية أن الاتحاد الاشتراكي بقدر ما هو مطالب بطرح برامج وتصورات وأجوبة ملموسة حول قضايا ملموسة بالنسبة للشعب، فهو في حاجة، من أجل تحقيق أهدافه وإنجاح مشروعه إلى طاقات وكفاءات وأطر قادرة على بلورة هذه البرامج . من هنا يعمل الاتحاد الاشتراكي ، تنظيميا وبقيادة ادريس لشكر ، على توفير هياكل استقبالية قادرة على استيعاب هذا النوع من الطاقات. من هنا كانت الانتفاضة التنظيمية لخلق آليات تنظيمية مرنة وناجعة لاستيعاب وإدماج كل الفئات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية المؤمنة بالعقلانية والحداثة، والمتشبعة بالروح الديمقراطية الاجتماعية والمعانقة للحلم الاشتراكي والمصرة على تحقيقه على مستوى الواقع. إن الاتحاد الاشتراكي باعتباره حزب اشتراكي ديمقراطي وحداثي وباعتباره قاطرة القوى الحية ببلادنا مطروح عليه الانفتاح على الفعاليات المجتمعية، فعاليات نزيهة ومواطنة ذات كفاءة علمية وإشعاع مجتمعي ...
إن الانفتاح على الكفاءات والفعاليات داخل المجتمع يستدعى قبل كل شيء القطع مع كل أساليب الانغلاق والتعامل بالحذر الماضي مع كل من استقطبه المشروع الاتحادي في الفترة الأخيرة، لذا يتعين علينا جميعا أن نعمل جادين على معالجة اختلالاتنا التنظيمية وتجاوزها بشكل ايجابي ، وهذا يقتضي هزم الذاتيات وتدمير الانانيات ، وتقتضي التشبع بثقافة سياسية وتنظيمية مؤهلة لاستقبال الكفاءات والأطر التي تزخر بها بلادنا والتي هي مستعدة لتقوية صفوف الاتحاد الاشتراكي الذي سد التنظيم المغلق ابوابه امام الكفاءات الشابة الطامحة الى الانخراط في المشروع المجتمعي الاتحادي.
إن من أخطر الأمور التي تهدد تأصيل الديمقراطية داخل الممارسة الحزبية هو ذلك الفهم الذي يختزل الديمقراطية في مجموعة من السلوكات العبثية التي تمليها الرغبات الذاتية والنزوعات الأنانية .
نعم على الحزب أن يوفر ظروف الابداع داخل صفوفه لتفجير الطاقات وابراز الكفاءات ، وأن يوفر طرق تدبير الخلافات لصالح الانتاج الفكري والعملي، وهذا شرط أساسي تستلزمه الديمقراطية. هناك حد أدنى من الانتقاد الجاد والبناء، من الاختلاف المنتج والخلاق ، من القدرة على تدبير هذا الاختلاف . ولكن عندما يتعلق الامر بأشياء وقحة وسلوكات متناقضة تماما مع قيم الحزب ، فالمطلوب العمل على الحسم، لأن السياسة أخلاق، وبالتالي لا يمكن التخوف من أن يقال عنا أننا لا نحترم الديمقراطية فنترك العنان لكل هذه التصرفات دون الحسم فيها عندما تتجاوز الحدود. أظن أن الديمقراطية تحمل في عمقها الواجبات قبل ممارسة مجموعة من الحقوق.






