رأي

جواد.مامون: إلغاء الساعة الإضافية بالمغرب: ارتياح شعبي أم مناورة سياسية؟ (التعليم العالي أُنموذجا)

عاش الشارع المغربي على امتداد سنوات حالة من الترقب والجدل المستمر بسبب اعتماد التوقيت الصيفي طيلة أيام السنة، وهو الإجراء الذي أثار الكثير من الانتقادات والاحتجاجات المجتمعية منذ إقراره. ولم يكن هذا الموضوع مجرد تعديل تقني في عقارب الساعة، بل تحول إلى قضية رأي عام تمس اليومي والمعيشي لكل مواطن مغربي. وفي خطوة حاسمة ومفاجئة، جاء إعلان الحكومة المغربية مؤخرا لينهي هذا السجال الطويل عبر المصادقة على مشروع مرسوم يقضي بالعودة النهائية والدائمة إلى التوقيت القانوني للمملكة (توقيت غرينيتش) ابتداء من شهر شتنبر.

وقد شكل هذا القرار الحكومي استجابة مباشرة لنبض الشارع المغربي الذي طالما انتقد الساعة الإضافية، نظرا لتبعاتها السلبية على الحياة الاجتماعية والنفسية للأسر. فمنذ تطبيق ذلك النظام، واجهت العائلات، وخاصة أمهات وآباء التلاميذ، صعوبات جمة في ملاءمة الإيقاع البيولوجي لأطفالهم مع التوقيت الإداري المفروض، مما تسبب في اضطرابات مزمنة في النوم وتراجع مستوى التركيز التحصيلي في المدارس والجامعات. علاوة على ذلك، سادت مخاوف أمنية حقيقية لدى الآباء جراء اضطرار أبنائهم وبناتهم لمغادرة المنازل في فصل الشتاء في مسالك مظلمة قبل شروق الشمس، وهو ما جعل قرار الإلغاء يمثّل موجة عارمة من الارتياح والترحيب الشعبي، باعتباره تصحيحا ومصالحة مع الزمن الطبيعي للبلاد.

من الناحية الاقتصادية، يكشف هذا التراجع الضمني عن مراجعة واقعية للمبررات التي سيقت عند اعتماد الساعة الإضافية لأول مرة، والتي كانت تتمحور حول تحقيق النجاعة الطاقية، وتقليص استهلاك الكهرباء، وتسهيل المعاملات التجارية والمالية مع الشركاء الأوروبيين. ويبدو من خلال هذا التحول أن العائد الاقتصادي الفعلي لم يكن بالضخامة المتوقعة، أو على الأقل، أن الكلفة الاجتماعية والنفسية والصحية التي تحملها المواطن المغربي قد فاقت بكثير الأرباح المادية التي جنتها الدولة من توفير بضع ميغاوات من الطاقة، مما جعل الاستمرار في هذا الخيار أمرا غير ذي جدوى على المدى المتوسط والبعيد.

وفي مقابل هذا الارتياح، ينظر فئة واسعة من الناخبين والمهتمين بالشأن العام إلى هذا القرار بكثير من التوجس والتساؤل حول أولويات الأجندة الحكومية الحالية؛ إذ يرى البعض أن الحكومة اختارت اللجوء إلى حلول تنظيمية مجانية وغير مكلفة ماديا لخزينة الدولة، مثل تغيير التوقيت، للتغطية على تماطلها في الاستجابة للمطالب المادية والمالية الملحة التي تخص فئات واسعة من الشغيلة. ويتجلى هذا التهرب بشكل واضح عند اتخاذ قطاع التعليم العالي على سبيل المثال لا الحصر لتفكيك هذه السياسة، حيث كان الناخبون والشغيلة ينتظرون وفاء الحكومة بوعودها السابقة المتعلقة بإقرار زيادة ألف درهم لفائدة موظفي التعليم العالي، فضلا عن تسوية ملف الأقدمية الاعتبارية لأساتذة التعليم العالي الذين يطالبون باحتساب تسع سنوات من الأقدمية، وهي ملفات ظلت عالقة وتسببت في احتقان نقابي كبير. وتأتي خطوة إلغاء الساعة هنا كنوع من الهروب إلى الأمام ومحاولة لتصدير إنجاز شكلي يمتص الغضب الشعبي دون تحمل أي كلفة مالية حقيقية لإنصاف شغيلة الجامعة المغربية.

وفي سياق القراءات المرافقة لهذا التوقيت الحاسم، يبرز تساؤل جوهري حول ما إذا كانت هذه الخطوة تمثل رهانا سياسيا ذكيا من أحزاب الأغلبية أم هي مجرد تنازل فرضه ضغط الواقع. في حقيقة الأمر، يمتزج البعدان بشكل وثيق؛ فالقرار من جهة يحمل لغة التنازل الواقعي والاعتراف الضمني بفشل تجربة أرهقت المغاربة لسنوات ولم تحقق جدواها الاقتصادية، حيث اضطرت الحكومة للاستسلام للمطالب الشعبية المتنامية. لكن هذا التنازل جرى توظيفه في المقابل كرهان سياسي شديد الذكاء من طرف التحالف الحكومي، الذي اختار التراجع عن الساعة الإضافية في توقيت مدروس بعناية فائقة، بهدف استثمار حالة الارتياح العام وتحويل الاحتقان المتراكم إلى رصيد إيجابي يخدم أجنحة الأغلبية.

ولا يمكن فصل هذا التكتيك عن المشهد الانتخابي العام، إذ إن دخول قرار العودة إلى التوقيت القانوني حيز التنفيذ يأتي قبل أيام قليلة فقط من موعد الانتخابات التشريعية بالمملكة. هذا التزامن الدقيق يؤكد أن أحزاب الأغلبية أرادت تقديم ورقة رابحة في الأمتار الأخيرة لنزع فتيل سلاح قوي كانت المعارضة تعتزم استخدامه في حملاتها الانتخابية لدغدغة مشاعر الناخبين. وبذلك، نجحت الحكومة في تحويل تنازلها عن مشروعها القديم إلى ضربة استباقية ورهان سياسي ناجح كسبت به عطف الشارع وصناديق الاقتراع على حد سواء، طاوية واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في العقد الأخير، وإن ظل قطاع التعليم العالي، كأنموذج لباقي القطاعات، ينتظر حلولا مالية حقيقية لا مجرد مسكنات زمنية.