في خطوةٍ تضاهي دقة الساعة الذرية، استيقظت الحكومة المغربية أخيراً على صوت تيك توك الذي لم يكن صوت عقارب الساعة، بل صوت نبض الشارع الذي طالما تعاملت معه الحكومة بالتوقيت الصيفي الدائم، حيث تتأخر الاستجابة بسنوات وتتقدم الوعود بأسابيع.
خرج علينا رئيس الحكومة وفي عينيه بريقُ رجل المرحلة الذي استجاب أخيراً لنداءات الأمهات والعمال والتلاميذ، معلناً العودة إلى التوقيت القانوني غرينيتش ابتداءً من نهاية الصيف. يا لها من صدفة فلكية مدهشة، فالقرار الذي اعتبرته الحكومة لسنوات عصب الاقتصاد الوطني، صار فجأة عبئاً بيولوجياً يجب التخلص منه، تماماً كما تتخلص السفن من أثقالها قبل الاقتراب من ميناء الانتخابات.
والغريب أن المقلاع لم تكن تحمله الحكومة وحدها، فحتى المعارضة قررت أن تصطاد في الماء العكر. فـالعدالة والتنمية الذي وضع هذه الساعة في عهد حكومته السابقة، خرج اليوم ليجعل من إلغائها أولى وعوده في حال عودته للحكومة، في محاولة لمحو ذاكرة المواطن. وعلى الضفة الأخرى، يمارس الحركة الشعبية هواية الصيد نفسها عبر المساءلات البرلمانية المكتوبة والشفوية، متبنياً مطالب الشارع لتعزيز موقفه الانتخابي، وكأن الساعة الإضافية تحولت في يد الجميع إلى غنيمة يُتراشقون بها في الوقت بدل الضائع.
يبدو أن الحكومة قررت أن تضبط ساعتها هذه المرة لا على توقيت الشمس بل على توقيت الصناديق. فالساعة الإضافية التي أرهقت أجساد المغاربة لسنوات، قرر أصحاب القرار أخيراً أنها أرهقت رصيد الثقة، فكان لزاماً حذفها من القاموس الحكومي قبل أن يكتشف المواطن أن الساعة الإضافية لم توفر طاقةً بل وفرت فقط ساعاتٍ إضافية من التذمر في طوابير الانتظار.
ومع هذا القرار يطرح السؤال الفلسفي الكبير، هل نعود للساعة القانونية لأننا أخطأنا في تقدير الوقت، أم لأننا اكتشفنا أن الوقت قد أزف للتذكير بأننا نستمع للمواطنين.
إنها ليست مجرد دقائق زائدة أو ناقصة، بل هي غنيمة انتخابية تُوزع على إيقاع التوقيت، فالمعارضة تهاجم الساعة لتبرير فشل الذاكرة، والحكومة تُنهي العمل بها لتبرير استجابة المطالب. وبين هذا وذاك يقف المواطن كحكم في مباراة، يعلم يقيناً أن الساعة قد تُضبط قانونياً، لكن توقيت الوعود هو الوحيد الذي لا يلتزم أبداً بغرينيتش.
في كل الأحوال نم بسلام أيها المواطن، فالحكومة قد ضبطت عقارب ساعتها، وبقي فقط أن تضبط أنت عقارب اختيارك في الموعد القادم، حيث لن يكون هناك توقيت صيفي أو شتوي، بل فقط توقيت النتائج.






