مجتمع وحوداث

العقوبات البديلة.. كيف نعاقب طبيباً يُفترض أنه ارتكب خطأً دون أن نحرم المجتمع من خبرته في إنقاذ الأرواح والتكفل بالصحة؟

أنور الشرقاوي (طبيب وخبير في التواصل الطبي والإعلام الصحي)
قد تجد العدالة نفسها أحياناً أمام معادلة شائكة، تتجاوز أسوار المحاكم وقاعات المداولات: كيف نعاقب شخصاً ارتكب فعلاً يستوجب العقاب، دون أن نعاقب المجتمع معه بحرمانه من كفاءة نادرة هو في أمسّ الحاجة إليها؟


إن قضية أستاذ التخدير والإنعاش بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء تطرح، إلى جانب أبعادها القضائية، سؤالاً أعمق يتعلق بالصحة العمومية، وبفلسفة العقاب، وبالمسافة التي ينبغي أن تفصل بين تطبيق القانون وخدمة الإنسان.


ولنضع النقط على الحروف منذ البداية


لنفترض، من باب النقاش القانوني والفكري، ودون استباق أحكام القضاء أو التشكيك في استقلاليته، أن الحكم الصادر في حق هذا الطبيب يستند إلى وقائع ثابتة تبرر العقوبة.


هنا لا يتعلق الأمر بالدفاع عن المتهم، ولا بالمطالبة بإعفائه من المسؤولية، وإنما بالتساؤل عن الشكل الذي يمكن أن تتخذه العقوبة، متى سمح القانون بذلك، حتى تحقق العدالة وتعود في الوقت نفسه بالنفع على المجتمع.


ومن هذا المنطلق، أمدّ جسراً للنقاش مع السيد وزير العدل، وأطرح عليه سؤالاً قد يستحق التشاور مع السيد وزير الصحة والحماية الاجتماعية:


لماذا لا تتحول هذه القضية إلى مناسبة للتفكير في عقوبات بديلة تجمع بين محاسبة المخطئ والحفاظ على الكفاءات الطبية التي يحتاجها المغرب؟


طبيب التخدير والإنعاش... ليس مجرد طبيب يُنوّم المريض ثم يوقظه


قد يعتقد البعض أن مهمة طبيب التخدير تبدأ بحقنة تُدخل المريض في النوم، وتنتهي عندما يفتح عينيه بعد العملية الجراحية.


لكن الحقيقة الطبية أكثر تعقيداً وأهمية.


فطبيب التخدير والإنعاش هو أحد الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها سلامة العمليات الجراحية، سواء كانت مبرمجة أو مستعجلة.


إنه الطبيب الذي يقيّم المخاطر قبل الجراحة، ويراقب الوظائف الحيوية أثناءها، ويتدخل عند حدوث مضاعفات قد تهدد حياة المريض.


وهو أيضاً الطبيب الذي يتولى، ضمن فريق متخصص، إنقاذ المرضى الذين تتدهور وظائفهم الحيوية داخل أقسام الإنعاش والعناية المركزة.


وقد تكون خبرته هي الفاصل بين حياة تستمر وموت كان بالإمكان تفاديه.


بعبارة أبسط، الجراح يعالج المرض أو الإصابة بالتدخل الجراحي، بينما يسهر طبيب التخدير والإنعاش على سلامة المريض واستقرار وظائفه الحيوية طوال المراحل الحرجة.


ولكل منهما اختصاصه ومسؤوليته المهنية المستقلة.


المغرب يحتاج إلى أطباء الإنعاش... فهل من الحكمة تعطيل خبراتهم بالسجن التقليدي ؟



لا يخفى أن المنظومة الصحية المغربية تواجه تحديات كبيرة في توفير الموارد البشرية الطبية، سواء من حيث العدد أو التوزيع الجغرافي أو التخصصات الدقيقة.


وتزداد هذه الصعوبات في بعض المناطق والمؤسسات الاستشفائية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتخصصات حيوية مثل التخدير والإنعاش.


وفي مثل هذا السياق، تصبح الخبرة الطبية المتراكمة عبر سنوات الدراسة والتكوين والممارسة رصيداً وطنياً ثميناً.


لكن ينبغي الانتباه إلى مسألة جوهرية.


ندرة الكفاءة لا تمنح صاحبها حصانة قضائية، كما أن أهمية الطبيب لا تجعله فوق القانون.


فالطبيب، مهما بلغت مكانته العلمية أو الجامعية، مواطن يخضع للقانون مثل غيره.


غير أن العدالة، وهي تعاقب الأفعال، تستطيع أيضاً أن تفتح نقاشاً حول الآثار الاجتماعية والإنسانية للعقوبات، وحول إمكانية تحقيق أهدافها بوسائل أخرى عندما تتوافر الشروط القانونية.


وهنا نصل إلى جوهر الاقتراح.


لماذا لا تتحول بعض العقوبات إلى خدمة للمجتمع؟


إذا كان الهدف من العقوبة هو الردع والمساءلة والإصلاح، فلماذا لا نفكر، في الحالات التي يسمح بها القانون، في عقوبات بديلة تتناسب مع طبيعة الكفاءات المهنية التي يمتلكها المحكوم عليهم؟


بالنسبة لطبيب متخصص في التخدير والإنعاش، يمكن أن يفتح هذا التفكير آفاقاً متعددة للمساهمة في المصلحة العامة.


قد يتعلق الأمر بالمشاركة في تكوين الأطباء الشباب، أو تأطير برامج علمية لتحسين سلامة المرضى، أو نقل الخبرة إلى مهنيي الصحة، أو المساهمة في مشاريع وقائية وتوعوية ذات منفعة عامة.


أما أي نشاط علاجي مباشر، فلا يمكن تصوره إلا إذا كان مسموحاً به قانونياً، ومتوافقاً مع الوضعية المهنية للطبيب، ومحاطاً بجميع ضمانات سلامة المرضى.


الفكرة ليست تحويل غرفة العمليات إلى قاعة محكمة، ولا جعل المريض وسيلة لتنفيذ عقوبة قضائية.


كما أنها ليست محو الخطأ أو التقليل من خطورته.


إنها محاولة للتفكير في عقوبة تحقق غايتين متكاملتين: تحميل الفرد مسؤولية أفعاله، وتحقيق منفعة حقيقية للمجتمع.


المريض ليس وسيلة لتنفيذ العقوبة


هنا يجب أن يكون النقاش واضحاً وحاسماً.


التخدير والإنعاش تخصص طبي مستقل، تحكمه قواعد علمية ومهنية وأخلاقية صارمة.


ولا يجوز إسناد أعمال طبية إلى شخص محكوم عليه إذا كانت وضعيته القانونية أو المهنية تمنعه من الممارسة، أو إذا كانت طبيعة المخالفة المرتكبة تجعل ذلك غير ملائم.


كما لا يجوز المساس بحقوق المرضى أو سلامتهم تحت أي مبرر.


لذلك، فإن السؤال الصحيح ليس:


كم عملية جراحية يمكن أن نُلزم هذا الطبيب بالمشاركة فيها عوض قضاء عقوبته السجنية؟


بل السؤال الأكثر حكمة هو:


ما الخدمة التي يمكن أن يقدمها للمصلحة العامة، في إطار قانوني واضح، دون تعريض المرضى لأي خطر، ودون الانتقاص من حقوق الضحايا أو هيبة العدالة؟


وهذا فرق أساسي بين عقوبة بديلة مدروسة وامتياز مهني غير مقبول.


وماذا عن حقوق الضحايا؟


لا يمكن الحديث عن العقوبات البديلة وكأن الضحايا مجرد تفصيل ثانوي في الملف القضائي.


فالعدالة لا تكتمل إلا بالاعتراف بالضرر، واحترام حقوق المتضررين، وضمان ما يتيحه القانون من وسائل الإنصاف والتعويض وجبر الضرر.


ولا ينبغي أن تتحول المنفعة الاجتماعية المحتملة من خبرة الطبيب إلى ذريعة لتجاهل حقوق من تضرروا من الأفعال موضوع الإدانة.


فالعدالة ليست مجرد حساب للسنوات التي يقضيها المحكوم عليه خلف القضبان.


إنها أيضاً مسؤولية تجاه الضحايا، وحماية للمجتمع، وضمان لعدم تكرار الأفعال التي استوجبت العقاب.


العقوبات البديلة ليست امتيازاً لأصحاب الشهادات العليا


ثمة خطر ينبغي التنبيه إليه منذ البداية.


إذا فتحنا باب العقوبات البديلة أمام أصحاب الكفاءات النادرة، فلا يجوز أن يتحول هذا الباب إلى مدخل للتمييز بين المواطنين.


فالأستاذ الجامعي ليس أرفع قانونياً من العامل، والطبيب ليس أكثر استحقاقاً للإنصاف من الحرفي، والمهندس لا ينبغي أن يتمتع بامتياز قضائي لمجرد أنه يحمل شهادة عليا.


المعيار يجب أن يكون القانون، وطبيعة الجريمة، وخطورة الأفعال، وحقوق الضحايا، وإمكانية تنفيذ عقوبة بديلة تحقق المصلحة العامة.


ولهذا، فإن أي تصور جديد ينبغي أن يستند إلى معايير شفافة، ومراقبة مستقلة، وتقييم موضوعي للنتائج.


العقوبة البديلة ليست عقوبة مخففة للأعيان والنخب، بل عقوبة حقيقية ينبغي أن تكون عادلة ومتناسبة مع الأفعال المرتكبة.


السيد وزير العدل... هل يمكن للعقوبة أن تخدم الحياة؟


السجن قد يكون ضرورياً في بعض الحالات، ولا يمكن إنكار دوره في حماية المجتمع وتحقيق الردع.


لكن عندما يسمح القانون ببديل عادل وآمن وفعال، يصبح من المشروع طرح سؤال بسيط:


لماذا نكتفي بعقوبة تحرم المجتمع من كفاءة يحتاج إليها، إذا أمكن تحقيق أهداف العدالة بعقوبة أخرى تضيف إلى الردع والإصلاح منفعة اجتماعية ملموسة؟


إن الأمر لا يتعلق بطلب امتياز لطبيب، ولا بالتدخل في اختصاص القضاء، ولا بمحاولة التأثير على مسار قضية معروضة أمام العدالة.


إنه دعوة إلى التفكير في فلسفة العقوبة نفسها.


هل يكفي أن نعاقب؟


أم ينبغي، كلما أمكن، أن نجعل من العقوبة فرصة للإصلاح وجبر الضرر وخدمة المجتمع؟


وهنا أمدّ يدي بالنقاش إلى السيد وزير العدل، وأدعوه إلى فتح حوار مؤسساتي مع السيد وزير الصحة والحماية الاجتماعية حول كيفية الاستفادة من الكفاءات المهنية النادرة في إطار سياسة جنائية عادلة وإنسانية.


فالعدالة القوية ليست بالضرورة تلك التي تُكثر من إغلاق أبواب السجون على المحكوم عليهم.


بل هي أيضاً تلك التي تعرف متى يكون السجن ضرورياً، ومتى تستطيع العقوبة البديلة تحقيق أهداف القانون دون التفريط في حقوق أحد.


تنبيه قانوني ضروري: بين ما يسمح به القانون وما نطمح إلى إصلاحه


من الضروري التأكيد أن المنظومة المغربية للعقوبات البديلة لا تسمح بالافتراض التلقائي أن كل عقوبة حبسية يمكن تحويلها إلى نشاط طبي أو خدمة علاجية.


فالقانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة يحدد إطاراً وشروطاً وضوابط لتطبيق هذه العقوبات، وترتبط إمكانية الاستفادة منها، على الخصوص، بالتكييف القانوني للأفعال، والاستثناءات المنصوص عليها، والشروط والإجراءات القضائية المطلوبة.


كما أن بعض المقترحات المتعلقة بتوظيف الخبرات الطبية ضمن أنشطة ذات منفعة عامة قد تحتاج إلى ترتيبات تنظيمية خاصة، أو تعديلات تشريعية، قبل أن تصبح قابلة للتطبيق.


وعليه، فإن هذا الطرح لا يقدم حلاً قانونياً جاهزاً أو مضموناً في قضية أستاذ التخدير والإنعاش بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد.


إنه اقتراح للنقاش العمومي، ودعوة إلى تطوير السياسة الجنائية بما يحقق التوازن بين الردع والإصلاح والإنصاف والمصلحة العامة.


ولعل السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحاً أمام المشرّع والقاضي والمجتمع هو:


هل يمكن للعدالة أن تعاقب من أخطأ، دون أن تحرم المجتمع من قدرته على فعل الخير وإنقاذ الأرواح؟


فالقانون وُجد لحماية الإنسان، والعقوبة وُجدت لتحقيق العدالة، والطب وُجد لحماية الحياة.


وحين تلتقي هذه الغايات الثلاث، قد نكتشف أن العدالة لا تفقد هيبتها عندما تكون إنسانية، بل تزداد قوة وحكمة.