هذه هي العبرة التي يجب أن يحفظها كل ممارس مقبل على التقاعد: التقاعد لا يأخذ منك الوظيفة فحسب، بل يكشف لك حقيقة من حولك، ويضعك وجها لوجه مع نفسك. فمن لم يعد العدة لنفسه قبل أن يغادر مكتبه، وجد نفسه غريبا في بيته، وحيدا بين جدرانه. والتأقلم مع الحياة الجديدة ليس ترفا، بل هو فن النجاة.
استيقظت ذات صباح فإذا بالخبر يقع على سمعي كالصاعقة: لقد أحلت على التقاعد. اختلطت في صدري نشوة الانعتاق من قيد الروتين اليومي، بغصة فراق طالما خشيته، فراق الرفاق والزملاء الذين كانوا جزءا من عمري. ووجدتني أسأل نفسي: وما العمل بالفراغ الطويل؟
وما هي إلا عشرة أيام حتى تبدل كل شيء. أصبحت أستيقظ متأخرا بلا موعد، وأقضي النهار حبيس الجدران. تسلل إلي الملل، وتمدد الفراغ أمامي كصحراء لا آخر لها، وأنا أفتش عبثا عن شيء يشدني إلى الحياة.
وفي اليوم العشرين، أدركت أن العالم قد نسيني. خرس هاتفي الذي كان لا يكف عن الرنين. انقطعت مكالمات العمل، وصمتت أصوات الزملاء الذين كانوا يستفتونني. عندها فقط عرفت معنى الوحدة الخالصة.
ثم جاء اليوم الثلاثون ليكشف لي زيفا آخر. رأيت أصدقاء المصلحة كيف ينسلون واحدا تلو الآخر، كأنهم ما عرفوني يوما. لم أعد في نظرهم الرجل المهم، فسقطت عني هالة المنصب، وسقط معها قناعهم.
ولم يكن الأقارب بأحسن حالا. في اليوم الأربعين، لاحظت كيف تباعدت خطاهم، وقلت زياراتهم، وجفت اتصالاتهم، فازدادت عزلتي عمقا.
حتى إذا بلغت اليوم الخمسين، كنت قد بلغت قاع الوحدة القاتلة. لا أنيس أحدثه، ولا صدر أبثه همي. فأخذت أسائل نفسي: كيف السبيل إلى الخروج من هذا النفق المظلم؟
فجربت الهروب. في اليوم الستين، حزمت حقائبي وسافرت إلى مدينة أخرى، متوها أن العلة في المكان. لكنني ما لبثت أن أدركت أن الداء ليس في المدينة، بل كامن في داخلي أنا.
إلى أن شاء القدر في اليوم الحادي والستين أن يستقر بي المقام في مدينة شاطئية هادئة، كانت حلما يراودني منذ الصبا. هناك، بين المشي على الرمل المبلل، وسماع هدير الموج، والاستئناس بدفء الشمس، بدأت روحي تستعيد سكينتها المفقودة.
وفي اليوم السبعين، وجدت دوائي. تعاطيت الرياضة بانتظام، فكانت لي أكثر من مجرد حركة، كانت بلسما يملأ الفراغ، ويصلح المزاج، ويعيد للجسد حيويته.
وفي اليوم الثمانين، هاج بي الحنين. تذكرت الأهل والأبناء والأصدقاء رغم البعد. اشتقت إليهم، لكنني تعلمت حكمة جديدة: المسافات لا تقتل الود، ورسالة صادقة أو مكالمة دافئة كفيلة بأن تبقي الحبل موصولا.
ثم جاء اليوم التسعون، فجمعت بين خيرين: القراءة والرياضة. أقبلت على القراءة بنهم، فوجدتها توسع الفكر وتجلي البصيرة، وواظبت على الرياضة فوجدتها تحفظ الجسد وتهذب النفس، وكلاهما أعادني إلى الناس، ومنحني شعور الانتماء.
حتى إذا بلغت اليوم المائة، كنت رجلا آخر. بقلب مؤمن بقضاء الله وقدره، خيره وشره، ونفس عامرة بالأمل والتفاؤل، تصالحت مع حياتي الجديدة. وجدت لذة في روتيني الحر، أستمتع بوقتي دون قيد وظيفة ولا ثقل التزام، وأتذوق الحياة في أدق تفاصيلها. عدت أكثر تفاؤلا، حريصا على استغلال كل لحظة في فعل الخير، وترك أثر طيب في قلوب من عرفوني، موقنا أن الله يحبني ويحفظني.






