فن وإعلام

الدُّخُول الثَّقافِيّ !!؟

صلاح بوسريف

حين أسمع هذه العبارة، أبتسمُ ساخِراً، وأتساءَلُ مع نفسي، كما يتساءل غيري من المثقفين العاكفين داخل مشاغلهم، لم يَعُودُوا يأملون سوى في إنجاز ما يُثْقِلُ رُؤوسَهُم من أفكار وإبداعات وأسئلة ومشاغل: متى خَرَجْنا لِنَد ْخُل، بأيِّ معْنَي أو عمل ثقافِيّ، وما كان من إصداراتٍ، وندواتٍ، ولقاءاتٍ، ومن مهرجاناتٍ، ومنتدياتٍ، ومن أسئلة وقضايا كانت موضوع العامِ، ومَنِ الْتَفَتْنا إليهم من الكُتَّاب والمفكرين والشُّعراء، والمبدعين، والفنَّانين، وما المجلات التي كانت خلال ما مضى من العامّ، الثَّقافَةُ شُغْلُها، يقرؤها النَّاس، ويتجادلون بشأنها، وما الكُتُب التي أعدنا طباعتها، باعتبارها تاريخاً، وقيمة فكرية وثقافية في الثقافة المغربيَّة، في أفقها العربيّ والكَوْنِيّ، حتَّى لا نبقى قابعين في ذواتنا، ننظر إلى أنفسنا من ثقب الباب، ومَنْ مِنْ رُموز ثقافتنا عُدْنا لِنُحاورَهُم، ونستمع إليهم، ونُعِيد التفكير والمُساءلة فيما كتبوه، ويكونون خلال العام، موضوعات للدراسة في المدارس والجامعات، وفي المعارض، والندوات، واللقاءات الوطنية والعربية، بل الدولية، سواء أكانوا ممن ما زالوا معنا، أو ممن رحلُوا عنَّا، وما الذي ترجمناه من أعمال شعرية، ومن روايات، وقصص، وكُتب في الفِكْر، وفي الفن، إلى اللُّغات الأخرى، أقلُّها الفرنسية والإنجليزية والإسبانية، وفق برنامج تتبناه مُؤسَّسات الدولة، من لها علاقة بالشأن الثَّقافيّ، وهل استطعنا أن تكون لنا مُؤسَّسَة للترجمة، لا ترجمة ما يصدر هُناك، ليكون هُنا، بل ترجمة ما عندنا، لنضعه في أيدي الآخرين، وبأي سياسة، بل بأيّ أفق وطريق، وما المكتبات أو أكشاك وورشات القراءة العمومية، التي فَتَحْناها، ونحن نحتضن «عاصمة الكتاب»، أيّ كتاب، بأي دعْم، وبأي توزيع وانتشار، لأي سوق، وبأي دعاية وتعريف بهذه الكُتُب، بل بأي برامج في الإعلام، فيها يعرف النَّاس ما عندنا، وما ليس عندنا، ومن نكون ثقافيّاً وفِكْريّاً، والحَبْلُ على الجرَّار، فالأسئلة كثيرة، أو كما يقول المثل الدَّارج «الكلام كثير والصمتُ أفضل».


وبالمختصر المُؤْلِم والجَارِح، ودون أيّ مُبالغة؛ ليس عندنا خُروج ثقافيّ، ليكون عندنا د ُخول ثقافِيّ. فرنسا التي رغم ما تُعانيه من مشكلات اجتماعية وسياسية، وما فيها من تظاهراتٍ لا تتوقَّف، في وقتنا الرَّاهِن، قبل خُروجها الثقافي، من الموسم الثَّقافِيّ الماضي، قرَّرَت أن يكون ميشيل فُوكو، هو المفكر، أو الفيلسوف والمثقف الذي سيكون شخصية العام الثقافيّ الحاليّ، بما سيكون من لقاءات، ومُحاضرات، ومن ندوات، وبرامج إعلامية حوله، وسيُعاد نشر عدد من أعماله، باتِّفاق مع دور نشر مختلفة، والمجلات الثقافية، أو مَنِ الثَّقافة فيها، لها حيِّز هام ضمن صفحاتها، والملاحق الثقافية للجرائد، ستعمل كلها على استعادة هذا المثقف والمفكر، والعودة به إلى المدارس والجامعات، رغم أنَّهُ فيها لم يُغادرها. 


لا يقتصر الدُّخُول الثقافيّ على هذا المفكر فقط، بل ما صدر وسيصدر تِباعاً من كُتُبٍ، عن دور النشر المختلفة، الصغيرة والكبيرة، وما تحظى به من دَعْمٍ، وما يُوجَدُ من مكتبات ستكون مواقع لتوزيع هذه الكُتُب، ومن أكشاك، ومن فضاءات، ولقاءات في وسائل الإعلام، ومن برامج احترافية، تُعْنَى بشأن الكِتَاب والثَّقافة  والكُتَّاب.


الأمْرُ لا يتعلَّق بأنشطة، تكون بمزاج مُنَظِّميها، وبما عندهُم من حسابات شخصية، لا علاقة لها بأيّ أفق ثقافي، ولا بما يقوم به قطاع الثَّقافة، مما لا قيمة له، باستثناء بعض الأشياء الطفيفة هنا وهُناك، لا يكون لها تأثير على الثقافة، وعلى الرأي العامّ الثقافي، أحرى الرأي العام الذي لا يعرف ما يدور حولَه فيما هو ثقافي، بما في ذلك المعرض الدولي للكتاب، الذي أصبح هو الموسم الثقافي الذي فيه يبدأ كُلّ شيء، وفيه ينتهي كُلّ شيء، وكأنَّ الثقافة هي موسم التْبُورِيدَة، أو موسم التُّمور، أو أسبوع الفرس، والفرق كبير وعظيم، لكن من يعنيهم شأن الثقافة، لا يعون هذا، ولم يخرجوا بعد من تخندُقَاتِهم الضِّيِّقَة، وحُرُوبهمالتَّافهة، التي جعلت الثقافة كلام ليل، تجري في أماكن ضيِّقَة مُغْلَقَة، أو بتعبئة القريبين، فقط، من تراهُم في نفس الأمكنة، بنفس السحنات والأثواب، وقبل أن ينفض اللِّقاء، يكون كُلّ شيء انتهى، حتَّى قبل أن يبدأ.


بأيّ معنى نتحدَّث عن الدُّخُول الثقافيّ، وبأي سياسية، وبرامج، وبأي حُضور، بل بأيّ أسئلة وقضايا، وما أثر كل هذا، إذا كان ثمَّة أثر فعلاً، على النَّاس، وأين هؤلاء النَّاس، من طلبة وتلاميذ، ومن نُخَبٍ مختلفة، أمَّا عامة النَّاس، فدونهم خَرْطُ القَتَاد، والتفكير فيهم، ليس سوى حديث خُرافَة، كما يُقال.