فن وإعلام

نحو روحانية نقدية (5) السكينة والمعنى

سعيد ناشيد (كاتب)

الروحانية النقدية لا تسأل عن معنى الروح، بل عن روح المعنى. فهي لا تبحث عن الجوهر الخفي الذي تتنازعه المذاهب والأديان، بل عن النبض الذي يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش. كما أنها ترفض أن يتحول النص الديني من نافذة على المعنى إلى جدار يحجبه، ومن ينبوع للفرح إلى سوط للعبودية والتخويف. فالمقدّس لا يسكن الكلمات، بل القلوب العامرة بالرحمة والنابضة بالحياة. ذلك أن الكلمات مجرد وعاء، والوعاء لا يُقاس بزخرفته بل بما يحمله. وكم من إناء مزخرف لا يروي عطش أحد.

والروحانية النقدية لا تخشى الأسئلة، بل تحلق بها كما يحلق الطائر بالرياح. ووعودها لا تنتظر ما بعد الموت ولا تجعل منّا دائنين لأبديّة مؤجلة، بل تراهن على الأمن الروحي والسلام الداخلي هنا والآن: في هذا العالم، في هذا الجسد، وفي هذه اللحظة.

غير أن الطمأنينة التي تنشدها ليست مخدّرًا يُسكِت الألم، ولا مهربًا من الذات؛ فهي لا تعد الإنسان بعالم بلا جراح، بل تُعلّمه كيف يحتمل جراحه من دون تخدير؛ كما لا تعده بحياة بلا فقد، بل تُعلمه أن يحبّ كل شيء في هذا العالم من دون أن يتعلّق بأي شيء. فالسكينة الحقّة لا تنبع من هجران الأسئلة الوجودية، بل من العيش معها؛ ولا تقوم على إنكار هشاشتنا الأصلية، بل على التصالح معها. إنها سكينة من يرى الهاوية من دون أن يفقد توازنه، لا سكينة من يغمض عينيه لئلا يرى شيئا.

الروحانية النقدية ترفض العزاء الرخيص، ذلك العزاء الذي يعرض علينا صفقته بابتسامة التاجر الماكر: يَعِدنا بالسكينة إن توقّفنا عن التفكير، ويطلب منّا أن نسلّم زمام أمرنا لمن يدّعي أنه يحمل مفاتيح السماء. فالسكينة التي تطفئ العقل ليست سكينة، بل جرعة مخدّر لا تُسكِت الألم إلّا لأنها تُسكِت الحياة كلها.