شارة الريادة: من يراقب معايير الاستحقاق؟ نتائج التصنيف تضع التقييم التربوي أمام امتحان الشفافية والإنصاف
لم يعد النقاش حول مؤسسات الريادة محصورا في جدوى النموذج التربوي الذي اختارته وزارة نبيل بن عبد الله، ولا في حصيلة المؤسسات التي انخرطت فيه، فقد انتقل إلى نقطة أكثر حساسية تتعلق بمعايير منح شارة «مؤسسة الريادة»، وبالجهة التي تحدد مستوى المطابقة، وبالضمانات التي تحمي المؤسسات من أن تتحول نتائج التقييم إلى أحكام إدارية لا تعرف أسبابها ولا تملك وسائل مناقشتها.
في هذا السياق أعلنت الوزارة، يوم 29 أكتوبر 2026، عن لوائح المؤسسات التعليمية العمومية الحاصلة على شارة الريادة برسم إصدار 2026، وحددت عددها في 4108 مؤسسات، موزعة بين 3598 مؤسسة ابتدائية و510 مؤسسات للتعليم الثانوي الإعدادي. وأوضحت أن النتائج جاءت بعد مداولات اللجنة المركزية المكلفة بمنح العلامة، وفق مستوى المطابقة للمعايير المعتمدة، كما أعلنت عن برمجة بحث ميداني استدراكي لفائدة المؤسسات التي لم تحصل على الشارة، بغرض الوقوف على الصعوبات التي حالت دون استيفائها للشروط، وتحديد سبل مواكبتها في الاستحقاقات المقبلة. وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة +1
هذه الحصيلة الرقمية دون شك تقدم صورة عن اتساع المشروع، لكنها لا تكفي وحدها لتقييم سلامة التصنيف. فالعدد المعلن يخبرنا كم مؤسسة حصلت على الشارة، ولا يخبرنا بما يكفي عن المؤسسات التي لم تحصل عليها، ولا عن طبيعة الفوارق بين الحالتين، ولا عن وزن كل معيار في النتيجة النهائية.
وهنا تبدأ المساءلة المهنية التي ينبغي أن ترافق كل عملية تقييم تربوي واسعة النطاق: ما الذي قيس تحديدا؟ وكيف قيس؟ ومن راجع النتائج؟ وما الذي يتيح للمؤسسة غير المصنفة معرفة أسباب عدم مطابقتها؟
المشكلة ليست في أن تخضع المؤسسات للتقييم، وإنما في أن يصبح التقييم مفهوما ومعللا وقابلا للتحقق. فمن حق الوزارة أن تضع شروطا للجودة، وأن تميز بين المؤسسات بحسب مستوى استيفائها، لكن من واجبها، في المقابل، أن تكشف عن منهجية القياس، وأن تضمن تكافؤ شروط التقييم، وأن تضع رهن إشارة المؤسسات خلاصات دقيقة تبين جوانب المطابقة والنقص. أما الاكتفاء بإعلان لوائح الناجحين في التصنيف، مع إحالة غير الحاصلين على الشارة إلى بحث استدراكي لاحق، فيترك فراغا تفسيريا لا تسده البلاغات العامة.
وفي هذا الصدد، فالوزارة تستند في تصورها لمؤسسات الريادة إلى معايير متعددة تشمل اعتماد الممارسات التربوية الفعالة، واستفادة المدرسين من تكوينات إشهادية، والتقييم الموضوعي للتعلمات، والقدرة القيادية لمدير المؤسسة، وجودة التدبير، وتوفير الشروط المادية. وتربط هذه المعايير بثلاثة مرتكزات أساس هي التلميذ والأستاذ والمؤسسة، كما تشير إلى أن التقييمات المستقلة للمرحلة التجريبية أظهرت نتائج إيجابية في عدد من المجالات. وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، غير أن تعدد المعايير يطرح بدوره إشكالا منهجيا. فهل تتساوى المؤسسة التي حققت تقدما ملموسا في تعلمات التلاميذ، لكنها تعاني نقصا في التجهيزات، مع مؤسسة تتوفر على شروط مادية أفضل ولا تحقق المستوى نفسه من التحسن التربوي؟ وهل يمكن وضع تكوين المدرسين، والقيادة الإدارية، ونتائج التعلمات، والبنية التحتية في سلة تقييم واحدة دون توضيح الوزن النسبي لكل عنصر؟ إن جمع مؤشرات مختلفة في نتيجة إجمالية قد يخفي تفاوتا جوهريا بين المؤسسات، وقد يجعل نقصا ماديا أو إداريا يطغى على مجهود تربوي فعلي، أو العكس...
هذا سؤال على الرفيق نبيل، أن يعيد معايير التقييم نحول منطقة التفاوت الطبقي... والعدالة المجالية...فالمعايير تتغير بتغير جغرافيا البؤس والفقر والهشاشة...لأن قياس الجودة لا ينبغي أن يقتصر على التحقق من وجود الوسائل والإجراءات. فتوفر جهاز العرض لا يثبت وحده تحسن التعلمات، وحصول المدرس على شهادة تكوين لا يعني بالضرورة انتقال أثر التكوين إلى الممارسة الصفية، وانتظام التقويم لا يضمن أن نتائجه انعكست على معالجة التعثرات. المطلوب هو التمييز بين شروط الاشتغال، والعمليات المنجزة، والنتائج المحققة. وهذه مستويات متكاملة، لكنها ليست شيئا واحدا.
ونبيل ... يعلم أن الأمر يزاد تعقيدا عندما يتعلق التقييم بمؤسسات تشتغل في سياقات اجتماعية ومجالية غير متكافئة... وهو التقدمي الذي يؤمن بأثر البنية التحية في البنية الفوقية...
فالمؤسسة الموجودة في وسط حضري تتوفر فيه بعض شروط الدعم والتجهيز ليست بالضرورة في الوضع نفسه الذي توجد فيه مؤسسة تعاني خصاصا في البنيات أو صعوبات في الاستقرار التربوي أو إكراهات مرتبطة بتركيبة المتعلمين. وإذا لم يأخذ نظام التقييم هذه الفوارق بعين الاعتبار، فقد ينتهي إلى مكافأة المؤسسات التي تتوفر لها شروط الانطلاق الأفضل، بدل قياس قدرتها على إحداث التحسن داخل سياقها الفعلي.
وهذا.....لا يعني ذلك تخفيف معايير الجودة أو التساهل مع ضعف الأداء، وإنما يعني أن الإنصاف في التقييم يقتضي قراءة النتائج في ضوء شروط إنتاجها. فالمطلوب ليس منح الشارة مجاملة لكل مؤسسة، بل ضمان ألا يتحول تفاوت الإمكانات إلى تفاوت آلي في فرص الاستحقاق. والتمييز هنا أساسي بين مؤسسة لم تبذل الجهد المطلوب، وأخرى بذلت مجهودا تربويا واضحا لكنها اصطدمت بإكراهات لا تملك قرار تجاوزها.
في السياق ذاته، سجلت الجامعة الوطنية للتعليم الاتحاد المغربي للشغل، المنضوية تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، في موقف لها بإقليم سيدي سليمان، حرمان بعض المؤسسات من شارة الريادة لأسباب قالت إنها مرتبطة بتقارير أو معايير صادرة عن المرصد الوطني للتنمية البشرية، مع غياب توضيحات كافية بشأن المعايير المعتمدة، وعدم تمكين الأطر المعنية من حقها في المعلومة والتظلم. ويظل هذا الموقف النقابي معطى يستحق المناقشة، لأنه يسلط الضوء على جانب إجرائي لا يقل أهمية عن نتائج التصنيف نفسها: حق المؤسسة في معرفة الأساس الذي بني عليه القرار. سوس 24
أما وزارة بنعبد الله، فتقدم موقفها من خلال تأكيد اعتماد معايير محددة، والإعلان عن مداولات اللجنة المركزية، ثم برمجة بحث ميداني استدراكي للمؤسسات التي لم تحصل على الشارة...
يعكس هذا الإعلان توجها نحو تشخيص الصعوبات ومواكبة المؤسسات غير المستوفية للشروط، لكنه لا يوضح بعدُ ما إذا كان البحث سيقتصر على تحديد الحاجات والصعوبات، أم سيتيح أيضا مراجعة المعطيات التي بنيت عليها نتائج التقييم عند ظهور ما يستدعي ذلك. كما لا يتضمن الإعلان، في صيغته المنشورة، تفصيلا فرديا لأسباب عدم حصول كل مؤسسة على الشارة. وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة
وهنا ينبغي التنبيه إلى أن البحث الاستدراكي لا يمكن أن يعوض آلية التظلم والتوضيح. فالتشخيص يجيب عن سؤال: ما الصعوبات التي تواجه المؤسسة؟ أما المراجعة فتجيب عن سؤال آخر: هل كان التقييم الأول دقيقا، وهل طبقت المعايير على نحو سليم؟ وقد تكون المؤسسة في حاجة إلى الدعم والتأهيل، وقد تكون لديها ملاحظات وجيهة بشأن طريقة تقييمها، وقد تجتمع الحالتان. لذلك من الضروري ألا تخلط الوزارة بين مواكبة المؤسسة لتجاوز نواقصها وبين حقها في مراجعة قرار ترى أنه لم ينصفها.
ومن المفيد هنا استحضار الإطار القانوني المنظم للشارة. فالمرسوم رقم 2.24.144 الصادر في 8 يوليوز 2024 أحدث علامة «مؤسسة الريادة» باعتبارها علامة تميز واستحقاق تمنح لمؤسسات التربية والتعليم العمومي، وربط المشروع بتحسين جودة التعليم والتعلم والتدبير والوسط المدرسي، ورفع مستوى التحكم في التعلمات، والحد من الهدر والانقطاع المدرسيين. كما جعل انخراط المؤسسات في المشروع اختياريا، وأحال تحديد مسطرة الانخراط لنيل الشارة إلى قرار للسلطة الحكومية المكلفة بالتربية الوطنية. وهذا الإطار يجعل وضوح المسطرة وتفاصيلها أمرا مركزيا في ضمان مصداقية الاستحقاق. SGG Maroc
ومن أجل تجاوز الالتباس الذي رافق النتائج، تبدو الحاجة ملحة إلى إجراءات عملية واضحة:
أولا، نشر شبكة المعايير التفصيلية المعتمدة في التقييم، مع تحديد المؤشرات الفرعية والوزن النسبي لكل معيار، حتى لا تبقى عبارة «مستوى المطابقة» عنوانا عاما لا يكشف طريقة احتسابه.
ثانيا، تمكين كل مؤسسة من تقرير فردي يبين نتائجها في مختلف المجالات، ونقط القوة التي سجلها التقييم، وأوجه النقص التي حالت دون حصولها على الشارة، مع توضيح المعطيات التي استند إليها المقيمون.
ثالثا، إحداث مسطرة معلنة للتظلم وطلب المراجعة، داخل آجال معقولة، تتولاها لجنة مختصة لا تكتفي بإعادة إنتاج التقييم الأول، بل تنظر في الاعتراضات والوثائق والمعطيات التي تقدمها المؤسسة.
رابعا، التمييز بين المؤشرات المرتبطة بأداء المؤسسة وتلك المرتبطة بظروف اشتغالها، حتى لا تتحمل الفرق التربوية وحدها تبعات خصاص مادي أو بنيوي لا يدخل ضمن صلاحياتها المباشرة.
خامسا، اعتماد تقييم متعدد المستويات يجمع بين قياس نتائج التعلمات، وملاحظة الممارسات الصفية، وفحص شروط التدبير والتجهيز، والاستماع إلى الفاعلين داخل المؤسسة، مع توضيح كيفية الجمع بين هذه المعطيات في النتيجة النهائية.
سادسا، نشر حصيلة سنوية لا تكتفي بعدد المؤسسات الحاصلة على الشارة، بل تقدم معطيات عن المؤسسات غير الحاصلة عليها، وأسباب عدم المطابقة في صورة مصنفة ومجهلة عند الاقتضاء، وأنواع الدعم المبرمج لمعالجة النواقص، ومدى تحقق التحسن في الدورة اللاحقة.
إن هذه المقترحات لا تستهدف إضعاف مشروع مؤسسات الريادة، وإنما تحصينه من مخاطر الاختزال الإداري. فالمشروع الذي يطمح إلى تغيير المدرسة العمومية يحتاج إلى ثقة المدرسين والإدارة والأسر، وهذه الثقة لا تصنعها الشعارات ولا اللوائح، وإنما تصنعها قواعد واضحة، وتقييمات منصفة، وقرارات قابلة للتفسير والمراجعة.
وتقع على الوزارة، في المرحلة الحالية، مسؤولية تحويل البحث الميداني الاستدراكي إلى فرصة لإعادة النظر في طريقة تدبير نتائج التصنيف، لا مجرد محطة لتحديد ما ينقص المؤسسات غير الحاصلة على الشارة. كما أن على المسؤولين التربويين أن يميزوا بين المؤسسة التي تحتاج إلى مواكبة، والمؤسسة التي تطعن في دقة تقييمها، وأن يمنحوا كل حالة المسار المناسب لها.
أما الوزير نبيل بنعبد الله، فإن الملف يضع أمامه اختبارا تدبيريا يتعلق بكيفية التعامل مع نتائج التصنيف وما أثارته من تساؤلات. فالمطلوب ليس الدفاع عن الحصيلة الرقمية ولا التشكيك فيها بصورة مسبقة، وإنما فتح المعايير أمام النقاش المهني، وإقرار حق المؤسسات في الاطلاع على نتائجها، وإرساء ضمانات تمنع أن تتحول شارة الريادة إلى امتياز إداري لا يفهم المعنيون قواعد الحصول عليه.
فالريادة التربوية لا تقاس فقط بمن حصل على الشارة، وإنما أيضا بمدى نزاهة الطريق التي أوصلته إليها. والمدرسة التي لم تحصل عليها لا ينبغي أن تترك أمام نتيجة صامتة؛ من حقها أن تعرف لماذا لم تستحقها، ومن واجب الوزارة أن تقدم جوابا مؤسساتيا دقيقا، لا وعدا عاما بمواكبة مؤجلة.






