وفي هذا السياق، شدد المجلس على أن مناقشة تجربة "هيئة الإنصاف والمصالحة" وتقييمها يظلان حقا ديمقراطيا مشروعا، شريطة ألا ينزلق النقاش من النقد البناء إلى التشكيك العدمي الذي يبخس مكتسبات الدولة ويمس بكرامة ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
واعتبرت المؤسسة الحقوقية أن إحداث الهيئة مطلع عام 2004 لم يكن مجرد استجابة ظرفية، بل جسد تقاطعا تاريخيا بين الإرادة الملكية ومطالب الحركة الحقوقية والمجتمع المدني، لتأسيس مسار سيادي يقطع مع الانتهاكات المرتكبة بين عامي 1956 و1999.
وأكد المجلس أن هذه التجربة، التي حظيت بتنويه أممي بارز، وضعت الضحايا في صلب مسار جبر الضرر الفردي والجماعي دون أي تمييز سياسي أو فكري أو جغرافي، بما يشمل كافة الأقاليم، مع إيلاء أهمية خاصة للتداعيات العميقة للانتهاكات على النساء والأسر والمجتمعات المحلية، متجاوزة بذلك منطق التعويض المالي الصرف نحو الإدماج الاجتماعي ورد الاعتبار والكرامة.
وفي ما يتعلق بجدلية "الحقيقة التاريخية"، أوضح المجلس أن اعتراف الدولة بمسؤوليتها المؤسساتية كان مدخلا قانونيا وأخلاقيا لجبر الأضرار، وليس بغرض إصدار أحكام تاريخية قطعية على الأشخاص أو إغلاق النقاش حول الماضي. وعليه، فإن مهام الهيئة ذات الطبيعة غير القضائية لم تهدف يوما إلى احتكار الرواية التاريخية، بل تركت الباب مشرعا أمام المؤرخين والباحثين لمواصلة التنقيب الأكاديمي، مشددة على ضرورة إتاحة الأرشيف وحفظ الذاكرة مع الاحترام التام لخصوصية الضحايا، ومحذرة في الوقت ذاته من استغلال السياقات السياسية السابقة كمبرر للانتقاص من حق المتضررين في الإنصاف.
ولم يقف المجلس عند استحضار الماضي، بل ربط إرث العدالة الانتقالية برهانات الحاضر والمستقبل، مجددا تعهده بمواصلة تتبع تنفيذ توصيات الهيئة التي تركز على استكمال الإصلاحات المؤسساتية، لا سيما تعزيز استقلالية القضاء، وتكريس الحكامة الأمنية، والنهوض بثقافة حقوق الإنسان.
وخلصت المؤسسة إلى توجيه دعوة صريحة للفاعلين السياسيين والمدنيين للارتقاء بمستوى النقاش العام، مؤكدة أن المصالحة الوطنية ليست محطة زمنية انتهت بانتهاء ولاية الهيئة، بل هي سيرورة مجتمعية متواصلة تجعل من كشف الحقيقة حقا، وصون الكرامة واجبا، وضمان عدم التكرار مسؤولية دائمة على عاتق الدولة ومؤسساتها.






