رأي

محمد حفيظ: السيادة اللغوية ليست أقل أهمية من السيادة الترابية

أيتها السيدة المحترمة، رئيسة حكومة المملكة المغربية


عندما تتحدثين في جلساتك الخاصة مع أصدقائك ومعارفك وأفراد أسرتك وعائلتك، فلا أحد سيتدخل في اللغة التي تستعملينها، ولا أحد سيحد من حريتك في استعمال اللغة التي تتقنين أو اختيار اللغة التي تحبين. تحدثي بما تشائين من اللغات: الفرنسية أو الإنجليزية أو الإسبانية أو البرتغالية، أو حتى اليونانية، قديمها وحديثها؛ فهذا شأنك الخاص واختيارك الشخصي والوجداني.


أما عندما تتحدثين باسم الدولة المغربية وفي محفل دولي رسمي، فأنت لا تمثلين نفسك، ولا تعبرين عن اختيارك اللغوي الشخصي، بل تمثلين دولة لها دستورها وهويتها ومقوماتها اللغوية والثقافية. ولذلك، عليك أن تستحضري هذه الهوية، وأن تراعي رمزيات الدولة التي تمثلينها وتترأسين حكومتها، وأن تحترمي مقتضيات دستورها وروحه.


الدستور المغربي يقول في فصله الخامس: "تظل العربية اللغة الرسمية للدولة. وتعمل الدولة على حمايتها وتطويرها، وتنمية استعمالها. تعد الأمازيغية أيضا لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيدا مشتركا لجميع المغاربة بدون استثناء".


ومن ثم، فإن تمثيل المغرب في المحافل الدولية ينبغي أن يعكس هذا الاختيار الدستوري، وأن يحترم مقتضياته بمنح اللغتين الرسميتين المكانة التي تستحقانها، والوضع الذي خصهما به الدستور.


واحتراما لهذه المقتضيات، كان الأجدر بك أن تستعملي، في أول لقاء دولي رسمي تشاركين فيه ممثلةً للملك، اللغة العربية أو اللغة الأمازيغية، باعتبارهما اللغتين الرسميتين للدولة المغربية. أما اختيارك اللغة الفرنسية، وهي، كما تعلمين، لغة غير رسمية في المغرب، ولم يعتمدها المغرب لغة رسمية، خلافا لما فعلته بعض الدول التي كانت خاضعة للاستعمار الفرنسي، ففيه عدم احترام للدستور الذي قد يصل إلى إنكار لمقتضياته.


وهنا، لا ينفع أي تبرير لهذا الاختيار اللغوي، لا اقتصادي ولا ديبلوماسي ولا استراتيجي ولا حتى "جيوستراتيجي"... فلا يمكن، بأي حال من الأحوال، استدعاء "الجيوستراتيجيا" أو غيرها من الاعتبارات، لتبرير استعمال لغة أجنبية في مثل هذه المحافل الدولية الرسمية.


إن استعمال لغة أجنبية في محفل دولي رسمي لا يمس بالتمثيل الرمزي للدولة فحسب، بل يمس أيضا بالسيادة. وفي تقديري، فإن السيادة اللغوية ليست أقل أهمية من السيادة الترابية. والمس بها لا يقل عن المس بالسيادة الترابية التي ضحى الشعب المغربي ولا يزال وسيضحي من أجل استكمالها.