قضايا

من حادثة أكادير إلى ظاهرة السلاح الأبيض: لا أمن بلا هيبة للقانون ولا هيبة للدولة دون حماية الأرواح؟

عبد العزيز الخطابي

لم تكن واقعة دهس شرطي مرور بمدينة أكادير. أثناء أدائه واجبه المهني. مجرد حادثة عابرة يمكن اختزالها في مخالفة لقانون السير. بل أثارت صدمة واسعة وأعادت إلى الواجهة أسئلة جوهرية حول احترام القانون. وحماية الأرواح، وحدود التساهل مع السلوكيات التي تهدد أمن المواطنين وسلامة موظفي الدولة.

إن خطورة هذه الواقعة. وفق المعطيات المتداولة بشأنها. لا تكمن فقط في تعريض حياة رجل أمن للخطر. بل فيما قد تعكسه من استهتار جسيم بحرمة الجسد البشري وبالقواعد التي تؤطر العيش المشترك. وإذا ثبت قضائياً أن السائق تعمد دهس الشرطي ثم الرجوع بالمركبة فوق جسده. فإن الأمر يتجاوز بكثير مجرد مخالفة مرورية. ويستوجب تحقيقاً دقيقاً في طبيعة الأفعال المرتكبة. والنية المحتملة وراءها. والتكييف القانوني الملائم لها. مع ترتيب المسؤوليات وفق ما تثبته الأدلة والتحقيقات.

وتزداد خطورة هذه الواقعة حين نضعها في سياق أوسع. يتصل بمظاهر العنف في الفضاء العام. بما في ذلك التهديد بالسلاح الأبيض والاعتداء على الأشخاص. إنها سلوكيات تزرع الخوف في نفوس المواطنين. وتقوض الشعور بالأمان. وتفرض على المؤسسات المعنية مسؤولية مضاعفة في الوقاية والزجر وتطبيق القانون.

إن رجل الأمن الذي يقف في الشارع لتنظيم حركة السير وحماية المواطنين لا يؤدي وظيفة إدارية فحسب. بل يضطلع بمهمة ترتبط مباشرة بحماية النظام العام وضمان احترام القانون. ولذلك، فإن الاعتداء عليه أثناء أداء واجبه لا ينبغي التعامل معه باعتباره خلافاً فردياً أو سلوكاً طائشاً. بل باعتباره فعلاً يمس سلامته الجسدية. ويعرقل أداء مهمة أمنية. وقد يشكل تهديداً مباشراً لهيبة القانون وثقة المجتمع في المؤسسات.

غير أن هيبة الدولة لا تُقاس فقط بصرامة العقوبات. وإنما أيضاً بقدرتها على إنفاذ القانون على قدم المساواة. وحماية موظفيها والمواطنين. وضمان عدم إفلات المسؤولين عن الجرائم من المساءلة.

وفي قضية أكادير. ينبغي أن ينصب التحقيق على جميع الملابسات المحيطة بالواقعة. بما فيها ظروف القيادة. ومدى ثبوت حالة السكر. وطبيعة حركة المركبة. وما إذا كان الفعل متعمداً. فضلاً عن الأدلة المادية والشهادات والتسجيلات المتاحة. فإذا أثبتت التحقيقات أن الدهس كان متعمداً وأن السائق أقدم على فعل من شأنه إزهاق روح الضحية. فإن تكييف الوقائع في إطار محاولة القتل قد يصبح مطروحاً. بحسب العناصر القانونية التي تثبتها القضية.

إن المطلوب ليس إصدار أحكام مسبقة. بل ضمان تحقيق جاد ومحاكمة عادلة تتناسب فيها العقوبة مع خطورة الفعل وثبوت المسؤولية. من دون تساهل غير مبرر أو انتقاص من حقوق الدفاع. فالعدالة الحقيقية لا تبرر الجريمة. ولا تتساهل مع العنف. ولا تسمح في الوقت نفسه بأن تحل الأحكام المسبقة محل القانون.

ولا يقل إشهار السلاح الأبيض في وجه المواطنين أو عناصر الأمن خطورة عن غيره من مظاهر العنف التي تهدد السلامة العامة. فالسكين أو السيف. حين يتحول إلى وسيلة للترهيب أو الاعتداء. يصبح مصدر خطر حقيقي قد ينتهي بإصابات خطيرة أو بفقدان الأرواح. والمواطن الذي يغادر منزله لقضاء حاجاته من حقه أن يتحرك في الشارع مطمئناً. بعيداً عن التهديد والابتزاز والاعتداء المفاجئ.

كما أن رجل الأمن الذي يتدخل لحماية الأشخاص والممتلكات ينبغي أن تتوفر له الحماية القانونية والمهنية اللازمة لأداء مهمته. ولا يكفي التعامل مع هذه الظاهرة بعد وقوع الاعتداء. بل تقتضي مواجهتها عملاً متكاملاً يشمل تعزيز التدخلات الأمنية وفق القانون. وتطبيق المقتضيات الزجرية ذات الصلة. والتحقيق في ظروف ارتكاب الجرائم. إلى جانب الوقاية والتوعية والتأطير الاجتماعي.

أما في الحالات التي يشكل فيها حامل السلاح خطراً وشيكاً على حياة الآخرين. فيجب أن يستند التدخل الأمني إلى القانون ومبادئ الضرورة والتناسب. مع تمكين رجال الأمن من اتخاذ التدابير اللازمة لحماية الأرواح في الحدود التي يسمح بها القانون. فحماية المواطنين ورجال الأمن مسؤولية لا تقبل التهاون. كما أن استعمال القوة يظل خاضعاً للضوابط القانونية والمهنية التي تضمن حماية الجميع.

إن المطالبة بتشديد التعامل مع الاعتداءات الخطيرة لا تعني الدعوة إلى الانتقام أو تجاوز ضمانات المحاكمة العادلة. فالردع الحقيقي لا يتحقق بالشعارات. بل بقانون واضح. وتحقيق فعال. ومحاكمة منصفة. وعقوبات متناسبة مع خطورة الأفعال وثبوتها. ومن هذا المنطلق. ينبغي أن تحظى قضايا الاعتداء على رجال الأمن. والدهس المتعمد، والتهديد بالسلاح الأبيض. بعناية قضائية تتناسب مع خطورتها. مع تفادي التأخير غير المبرر في البت فيها. واحترام قرينة البراءة وحقوق جميع الأطراف.

كما ينبغي التمييز بين المطالبة بتطبيق العقوبات المشددة التي يجيزها القانون، وبين الدعوة إلى إلغاء ظروف التخفيف أو منع السراح المؤقت بصورة مطلقة؟ فهذه المسائل تخضع للمقتضيات القانونية وتقدير القضاء. ولا يصح حسمها مسبقاً بمعزل عن ظروف كل قضية وأدلتها. إن قوة العدالة لا تكمن في أقصى العقوبات كيفما كانت الظروف. بل في تطبيق العقوبة التي يقررها القانون بناءً على المسؤولية الثابتة. بما يحقق الإنصاف ويحمي المجتمع ويحد من تكرار الجريمة.

إن حماية رجل الأمن ليست امتيازاً منفصلاً عن حماية المواطن. بل هما وجهان لسياسة واحدة غايتها صون الأرواح وضمان الأمن العام. فالمجتمع الذي يطمئن فيه الموظف العمومي إلى سلامته أثناء أداء واجبه، ويشعر فيه المواطن بأن القانون يحميه من الاعتداء، هو مجتمع يعزز الثقة في المؤسسات ويحد من مظاهر الفوضى.

ومن هنا. تبرز الحاجة إلى استراتيجية متكاملة تقوم على تعزيز الحضور الأمني في النقاط التي تشهد مخاطر متكررة. وتطوير آليات التدخل والاستجابة. وتحسين التنسيق بين الأجهزة المعنية. وتفعيل المقتضيات القانونية ذات الصلة، إلى جانب ترسيخ ثقافة احترام القانون ونبذ العنف. كما أن مواجهة القيادة تحت تأثير الكحول تستدعي تطبيق القانون بصرامة، وتعزيز المراقبة والوقاية، ورفع الوعي بخطورة تحويل المركبة إلى وسيلة قد تودي بحياة الآخرين.

ولا ينبغي أن تظل المطالبة بالأمن مجرد رد فعل مؤقت على واقعة صادمة. بل يجب أن تتحول إلى التزام مؤسساتي دائم يوازن بين الحزم والعدالة. وبين حماية المجتمع واحترام الحقوق والحريات.

إن واقعة أكادير. وما تثيره من مخاوف بشأن الاعتداء على رجال الأمن. إلى جانب ظاهرة التهديد بالسلاح الأبيض. تضع المجتمع والمؤسسات أمام مسؤولية واضحة: لا يمكن بناء أمن مستدام في ظل الاستهانة بأرواح الناس. كما لا يمكن ترسيخ هيبة الدولة إلا بتطبيق القانون بفعالية وعدالة.

إن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى كل من يفكر في الاعتداء على المواطنين أو رجال الأمن هي أن الأفعال الإجرامية لا يمكن أن تمر دون مساءلة. وأن خطورة الاعتداء يجب أن تنعكس على التكييف القانوني والعقوبة وفق ما يقرره القضاء في ضوء الأدلة والقانون. وفي المقابل. فإن الرسالة إلى المؤسسات واضحة أيضاً: المطلوب حماية فعالة لرجال الأمن والمواطنين، وتحقيق جاد في الوقائع الخطيرة. ومحاكمات عادلة، وتطبيق حازم للمقتضيات القانونية. دون انتقائية أو إفلات من العقاب.

فهيبة الدولة لا تُبنى بالخوف، بل بثقة المواطنين في عدالة القانون. والأمن لا يتحقق بالشعارات، بل بمؤسسات قوية، وعدالة ناجزة، ومساءلة حقيقية. وحرمة مصونة لكل نفس بشرية.

تلك هي المعادلة التي يحتاج إليها المجتمع اليوم: الحزم في مواجهة العنف. والإنصاف في تطبيق القانون. والكرامة الإنسانية باعتبارها أساساً لا يجوز المساس به.