في 19 أكتوبر، وأمام البرلمان، تعهّدت رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري بتجريم الإثراء غير المشروع، ومعاقبة تضارب المصالح، وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات، وتجريم إفشاء المعلومات بهدف الحصول على امتيازات. كما تحدثت عن آليات لفحص الصفقات العمومية والتحقيق في التواطؤ في طلبات العروض.
كان ذلك جزءاً من خطاب يتحدث عن استعادة ثقة المواطنين في المؤسسات ومحاربة الفساد. لكن بعد يومين، أثارت جريدة «صوت المغرب» ملاحظة لافتة: التنصيص الصريح على تجريم الإثراء غير المشروع، الذي ورد في العرض الشفهي، لم يظهر في النسخة المكتوبة للبرنامج الحكومي بصيغته الصريحة. وتناولت وسائل إعلام أخرى المسألة نفسها، مشيرة إلى اختلاف بين ما قُدّم أمام البرلمان وما ورد في الوثيقة المكتوبة.
لسنا أمام اختلاف في كلمة أو ترتيب فقرة، بل أمام التزام يتعلق بملف أثار نقاشاً سياسياً وقانونياً طويلاً في المغرب. وإذا كان التعهد قائماً، فمن حق المغاربة أن يعرفوا لماذا غاب التنصيص الصريح عن الوثيقة المكتوبة، وما الأجل الذي تضعه الحكومة لتحويله إلى نص قانوني قابل للتنفيذ.
ولفهم خلفية هذا الملف، علينا العودة إلى سنة 2021، حين سُحب مشروع القانون رقم 10.16 المتعلق بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي، وهو مشروع تضمن مقتضيات تتعلق بتجريم الإثراء غير المشروع.
مرّت سنوات، وظل الملف موضوع خلاف ونقاش، ثم عاد اليوم إلى الواجهة من باب الوعد الحكومي الجديد.
نفس الوزارة، نفس الوزير، نفس الملف… لكن هذه المرة هناك وعد جديد.
عبد اللطيف وهبي كان وزيراً للعدل حين سُحب مشروع القانون رقم 10.16، وهو اليوم يتولى الحقيبة نفسها من جديد. لذلك، فالمطلوب ليس وعداً آخر بتجريم الإثراء غير المشروع، بل جواب واضح: متى سيُحسم هذا الملف، ومتى ينتقل من التصريحات إلى التشريع والتنفيذ؟
فتجريم الإثراء غير المشروع ليس سوى جزء من منظومة أوسع لحماية المال العام، تشمل تضارب المصالح، والتصريح بالممتلكات، ومراقبة الصفقات العمومية، والتحقيق في شبهات الفساد، وربط المسؤولية بالمحاسبة، مع احترام قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.
وهنا نصل إلى الدولة الاجتماعية. حين تتحدث الحكومة عن إصلاح الصحة والتعليم، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتحسين الخدمات العمومية، فإنها تتحدث عن التزامات تموَّل من المال العام. والمستشفى الذي ينتظر فيه المواطن موعداً للعلاج، والمدرسة التي تحتاج إلى التجهيز والأطر، والبرامج الاجتماعية التي يفترض أن تصل إلى مستحقيها، كلها تحتاج إلى موارد تُجمع من المواطنين وتُصرف باسمهم.
لذلك، لا يكفي أن نعرف حجم الإنفاق؛ بل يجب أن نعرف أين تذهب الأموال، وكيف تُدبَّر، وما النتائج التي تحققها، ومن يُسأل حين تظهر اختلالات. فحماية المال العام ليست ملفاً منفصلاً عن الدولة الاجتماعية، بل شرط من شروط نجاحها.
ومن هنا تكتسب قضية الطبيب رشيد شرقاب، الأستاذ بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء، دلالتها في هذا النقاش.
فقد حُكم عليه ابتدائياً بسنة واحدة حبسا نافذاً في قضية تتعلق باتهامات بالتشهير وانتحال صفة نقابية. وفي المقابل، سبق أن أثار، وفق ما نشرته وسائل إعلام ومواقف نقابية وحقوقية، شكايات بشأن اختلالات قال إنها تعرفها المؤسسة الصحية.
أُعلن تضامني مع الطبيب رشيد شرقاب، وأطالب بإنصافه وضمان حقوقه القانونية كاملة، وبفتح تحقيق جدي في الاختلالات التي سبق أن أثارها. فصدور حكم ابتدائي لا يلغي حقه في سلوك طرق الطعن المتاحة، كما أن الشكايات المتعلقة بتدبير مرفق صحي عمومي تستحق أن يُبحث فيها وأن يُعلن عن مآلها.
ولا يعني هذا الموقف الجزم بأن الحكم صدر بسبب تلك الشكايات، أو اعتبار الاختلالات المبلغ عنها وقائع ثابتة قبل التحقيق فيها. فلكل ملف مساره القانوني. إذا كانت هناك أفعال يعاقب عليها القانون، فالقضاء هو الذي يحدد المسؤوليات وفق الأدلة وضمانات المحاكمة العادلة. وإذا كانت هناك اختلالات في تدبير المستشفى، فمن واجب الجهات المختصة التحقيق فيها وترتيب المسؤوليات.
لا ينبغي أن يلغي أحد الملفين الآخر، ولا أن تتحول متابعة الطبيب إلى سبب لإهمال الشكايات التي سبق أن أثارها، كما لا ينبغي أن تتحول تلك الشكايات إلى حكم مسبق في القضية القضائية. لكل ملف مساره، ولكل ادعاء تحقيقه، ولكل مسؤولية محاسبتها.
المؤسسات القوية لا تخشى التحقيق في الشكايات، ولا تستبدل البحث في الوقائع بتبادل الاتهامات.
وهنا تلتقي قضية الطبيب مع ملف تجريم الإثراء غير المشروع. ليست بينهما علاقة سببية مثبتة، وإنما يجمعهما سؤال عن قدرة المؤسسات على حماية المال العام، والتحقيق في الاختلالات، ومساءلة المسؤولين، وضمان الحماية القانونية لمن يبلغون عن تجاوزات بحسن نية.
والحلقة التي تجمع هذه الملفات واضحة:
مال عام ← مرفق عمومي ← خدمة اجتماعية ← اختلال محتمل ← تبليغ ← حماية المبلّغ ← تحقيق ← محاسبة.
فالمال العام يُخصَّص للمرفق العمومي، والمرفق يقدم خدمة للمواطن. وإذا ظهرت اختلالات، وجب التبليغ عنها والتحقيق فيها، مع حماية المبلّغ بحسن نية، ثم محاسبة من تثبت مسؤوليته. وإذا تعطلت حلقة من هذه السلسلة، فإن أثر الخلل لا يبقى داخل الإدارة؛ بل يصل إلى المواطن الذي يؤدي الضرائب وينتظر العلاج، ويطالب بمدرسة جيدة وخدمات تحفظ كرامته.
لهذا، لا يكفي أن تعلن الحكومة محاربة الفساد؛ المطلوب أن توضح كيف ستُنفَّذ القوانين، وكيف ستُراقب الصفقات، وما مصير الشكايات، ومتى تتحول الوعود إلى إجراءات قابلة للمحاسبة. كما لا يكفي أن نَعِد بدولة اجتماعية، بينما تظل حماية مواردها معلقة بين التصريحات والوثائق والانتظارات.
الدولة الاجتماعية تحتاج إلى المال العام لكي تموّل حقوق المواطنين، لكنها تحتاج أيضاً إلى دولة تحمي هذا المال، ومؤسسات تحقق في الاختلالات، وقوانين تُنفَّذ، ومحاسبة تشمل الجميع.
لأن المال العام الذي لا تحميه الرقابة والمحاسبة قد يتحول من وسيلة لضمان حقوق المواطنين إلى فاتورة يؤدونها مرتين: مرة من ضرائبهم، ومرة من الخدمات التي لا تصل إليهم كما ينبغي.
فيق الله يرضي عليك......العملية سالات...






