إننا نعاين الآن ونتتبع قفزة نوعية هائلة، من شأنها أن تنقل الجيوش المغربية، برّاً وبحراً وجوّاً ومعلوماتيّاً، من الجيل الرابع إلى الجيل الخامس، والأرقام وحدها تشرح هذا التحول. لقد قفزت ميزانية الدفاع المغربي إلى 15.3 مليارَ دولار سنة 2026 بزيادة 17.7%، لكن التغيير طرأ على نوعية الأسلحة المستوردة والمصنَّعة محلياً... فكيف ذلك؟
لقد اكتملت خارطة طريق ذلك التحوّل هذا الأسبوع بالذات. ففي يوم 28 أكتوبر الجاري، تسلم المغرب رسميا الدفعة الثالثة من مروحيات "الأباتشي AH-64E"، ليرتفع عددها إلى 19 مروحية من أصل 24، بكلفة 1.3 مليار دولار. وبذلك تكون المملكة المغربية هي الدولة الوحيدة، في إفريقيا، التي تستخدم هذا الطراز الأحدث، المزود برادار "Longbow"، القادر على كشف 128 هدف في آنٍ واحد.
يُضاف إلى ذلك، نظام دفاع أرض/جو متعدد الطبقات، وغير مسبوق، بعيد المدى، يتشكل من الصاروخ الصيني "HQ-9B"، والإسرائيلي "Barak MX"، والأمريكي "Patriot PAC-3".
في الجو أيضاً، يطرق المغرب باباً لم تطرقه أي دولة مغاربية من قبل. حيث الحديث لم يعد عن الإف-16 فايبر فقط (25 طائرة جديدة بلوك 72 و 23 طائرة تم تحديثها)، بل عن 32 مقاتلة شبحية من طراز "F-35A" ، بغلاف مالي يتراوح بين 17 و 18 مليار دولار. وقد بلغت المفاوضات حول هذه الصفقة مرحلة جد متقدمة، لدرجة أن الرباط طلبت رسمياً، في أكتوبر الجاري، تدريب طياريها على قيادة هذا النوع من الشَّبَحِيات. وإذا تم ذلك فعلاً، فسيصبح المغرب ثاني دولة في إفريقيا تشغل مقاتلات من الجيل الخامس.
بيد أنّ التحول الأعمق الذي شهدته منظومة التسلح المغربية ليس في المقاتلات، بل في المسيّرات، وهنا تكمن عبقرية العقيدة الجديدة لهذا الجيش الآخذ في التحوُّل.
ذلك، أن المغرب لم يعد يفكر بمنطق الطائرة المأهولة فقط، مادام اليوم يملك ترسانة مسيرات متنوعة تشتمل على التركيتَيْن "بيرقدار TB2" و"AKINCI"، والإسرائيليتَيْن "Heron" و"Hermes 900"، والصينية "Wing Loong-2"، وصولاً إلى ما كشف عنه في معرض مراكش 2026، من مسيّرات مغربية انتحارية مضادة للتشويش، ذاتية الحركة، يصل مداها إلى أكثر من 2000 كلم، بلا أدنى حاجة لربطها بمنظومة الأقمار الصناعية. ويتعلق الأمر بالمسيّرة "إيريفي".
ماذا يعني هذا عسكريا؟ إنه يعني أنّ انتقالاً كاملاً يجري تكريسه، من عقيدة "الدفاع عن التراب"، إلى عقيدة "الضرب الاستباقي عن بعد"، وهو الآن على وشك الاكتمال.
لقد كان على الجيش المغربي في السابق أن يحرك مقاتلات أو يخصّص لواءً مدرعاً لمواجهة تهديد على بعد 500 كلم، بكلفة هائلة وخطر على الطيارين والمُشاة. أما اليوم، فيمكنه بواسطة مسيرة انتحارية ذكية، لا تلتقطها الرادارات، ومحصنة ضد التشويش الإلكتروني، أن يجعل ضرباته تقطع 2000 كلم، لتدمر في العمق رادارات أو مخازن ذخيرة، أو غُرَفًا للقيادة، دون أن يتحرك عسكري واحد، ما عدا ذلك الجالس أمام طاولة التحكّم والإرسال في مكان ما بمركز القيادة بالرباط، أو في أي ثكنة أو مركز أرضي للتحكم والتوجيه... وهذا هو "التفوق غير المتكافئ"، بأقل كلفة، وأعلى درجة من الدقة، وبدون خسائر بشرية.
هذه العقيدة العسكرية الجديدة تقوم على ثلاث مُسمّيات: "الاستطلاع"، "الشبكة"، و"الضربة الجراحية". ذلك أن المسيّرة تَرى بعينها الرقمية فائقة الدقة، وترسل المعلومة للمقاتلة إف-16 أو لنظام باراك، فتتكفل المقاتلة أو الراجمة بالضرب. بحيث يكون كل شيء مرتبطاً بواسطة شبكة رقمية واحدة. وهذا هو ما يسميه الخبراء "الحرب الشبكية"، وهو أيضاً، ما لا تملكه لا إسبانيا ولا الجزائر بهذا المستوى من التكامل الأمريكي-الإسرائيلي... لكن، لماذا كلُّ هذا القلق في كلٍّ من إسبانيا والجزائر؟
في مدريد، يمكن ترجمة هذا القلق بكلمة واحدة، هي "الفراغ". لأن إسبانيا ألغت رسميا صفقة "الإف 35"، وكان ذلك في غشت 2025. وحتى مشروع "FCAS" الذي كانت تعول عليه، بالشراكة مع فرنسا وألمانيا، انهار هو الآخر في يونيو 2026. واليوم تمارس إسبانيا تحليقها ب81 من مقاتلات "هورنت" القديمة، و67 من طائرات "يوروفايتر"، بينما جارها الجنوبي يبني سلاحاً جوّياً شبحياً وشبكياً لم يَسبِق له نظير بالمنطقة.
في الجزائر، يبدو المأزق عقائدياً بكل معنى الكلمة. فالجيش الجزائري لا يزال أسير المنظومة العسكرية الروسية التقليدية، فضلا عن كونه لم يتسلم سوى مقاتلتين من طراز سوخوي المتطورة، "سو-57"، فقط لا غير، وذلك بسبب الالتزامات الثقيلة لروسيا في حربها مع أوكرانيا، في الوقت الذي ينتقل فيه المغرب بالكامل إلى محاكاة الترسانات الغربية الأكثر تطوراً. وهذا يفسر ارتفاع منسوب الحركة في قاعدة القصر الصغير البحرية الجديدة، على بعد 30 كلم من طنجة، واستعداد المغرب لاستقبال 3 إلى 4 غواصات "سكوربين" فرنسية الصنع، في حين أنه يواصل التخابر مع كوريا الجنوبية حول غواصاتها من الجيل الجديد.
من الدفاع عن الصحراء.. إلى القوة الإقليمية
إن خارطة الطريق، المتعلقة بالتعاون الدفاعي بين الرباط وواشنطن 2026-2036، الموقعة في البنتاغون، تجعل من المغرب شريكاً أمنياً مركزياً. كما أن مشاركة الأباتشي المغربية في مناورات الأسد الإفريقي جنبا إلى جنب مع مروحيات الجيش الأمريكي، ليست استعراضاً، بل تدريباً على "القتال جنباً إلى جنب".
إن الهدف، إذَنْ، لم يعد تحقيق التوازن مع الجزائر أو إسبانيا، بل خلق فجوة تكنولوجية لا يمكن ردمها، وتحويل المغرب إلى منصة استقرار في الساحل الأطلسي.
نهايتُه... نحن الآن لسنا أمام سباق تسلح كلاسيكي، يقوم على إحصاء المقتنيات، بل نحن أمام إعادة كتابة قواعد اللعبة، حيث ينتقل المغرب من منطق "الدفاع عن النفس" إلى منطق "فرض قوة الردع". لذلك، فإن "توازن الرعب"، القديم، والقائم على التكافؤ العددي، قد انتهى وزال أوانه، تاركاً مكانه لتوازن جديد قائم على أسئلة من نوع مختلف: من يملك المعلومة أوّلاً؟ من يضرب بالدقة الفائقة أوّلاً؟ ومن يستطيع أن يربط بين السماء والأرض والبحر في شبكة دفاعية/هجومية واحدة؟ وفي هذا السباق الجديد، يبدو أن المغرب قد أخذ خطوةً وازنةً إلى الأمام. خطوة يمكن وصفها بكونها من "العيار الثقيل".






