قضايا

حين يغدو الخطأ سياسة

فؤاد بوعلي

"اللغة العربية تضايقهم لأنهم لا يستطيعون قراءتها ... والعبارة العربية تزعجهم لأنهم لا يستطيعون تركيبها"

نزار قباني

الصورة التي ظهرت بها رئيسة الحكومة المعينة حديثا أمام البرلمان، فاطمة الزهراء المنصوري، يحيي السؤال المركزي حول إحساس المسؤول المغربي بدور اللغة العربية في انتمائه وسيادة الوطن اللغوية. الخطأ في حالة الرئيسة ليس لحنا أو صعوبة في تهجئة بعض الحروف أو تغييرا لهجيا إقليميا كما زعمت بل هو سياسة مقصودة، والإصرار عليها ظهر في أول ردودها. وهذا يذكرني برد دكتور بريطاني على رئيس الوزراء الأسبق؛ توني بلير، لأنه أخطأ في نطق كلمة أمام مجلس “اللوردات”، وعدّ ذلك نعياً للغة الإنجليزية التي يجب على المسؤولين الحفاظ عليها. فالسيادة الوطنية لا تنفصل عن السيادة اللغوية، ومدخل السيادة هو الاعتزاز بالذات وباللسان الوطني. لذا فدرجة أي مسؤول العلمية أو الأكاديمية، أو حتى أميته بأبجديات اللغة، قد لا تؤثر كثيرا في درجة وعيه بالمطلوب منه حضاريا واستراتيجيا. والمطلوب أن يستوعب المسؤول بأن استعمال اللغة الرسمية ليس اختيارا تواصليا أو قرارا ذاتيا وإنما جزء من سيادة الدولة التي يمثلها، وأي تهاون في الأمر أو استهانة بقدرتها على تأمين التميز الوظيفي والسياسي يعني ضربا في استقلاليتها ومنعتها خارجيا، وهدما لمقومات الانتماء داخليا. فلا يعقل أن تسند وظيفة تدبير الشأن السياسي لمن يحتاج للوعي بدور اللغة في النهوض المرجو والإصلاح المأمول. بل إن الرئيسة التي أخطأت أو تعمدت الخطأ في اللغة العربية، ودافعت عن خطئها، لخصت الواقع اللغوي عند المسؤولين المغاربة وهو سن سياسة جديدة عنوانها: سياسة الخطأ. أعرف كثيرا من الدبلوماسيين الأجانب بمجرد ان يكلفوا بمهامهم داخل المغرب أو أحد البلدان العربية ينكبون على تجويد فصاحتهم وثقافتهم العربية. لكن المسؤول المغربي لا يكلف نفسه عناء التعلم والاجتهاد في إتقان لغته الرسمية، لأنه مقتنع بأن خطأه هو الذي أوصله إلى سدة المسؤولية، بل هو متأكد بأنه وصل بالخطأ والغفلة من الزمن...فكيف تريد أن تطالب صاحب الخطأ بتصحيح الخطأ. 

فمنذ مدة ونحن نعيش انتهاكا للسيادة اللغوية من خلال الجرأة على اللغة العربية اللغة الرسمية الأولى في الدستور، من خلال الأخطاء في التركيب والصوت، وهذا الانتهاك يوازيه جرأة على تهميشها في السياسة الوطنية. ورحم الله نزار قباني حين عبر عن الوضع المتكرر في العالم العربي: "اللغة العربية تضايقهم لأنهم لا يستطيعون قراءتها ... والعبارة العربية تزعجهم لأنهم لا يستطيعون تركيبها ". وهذا العجز يعبر عنه بسياسة لغوية تهمش العربية وتضعها على هامش الأحداث وهو الأهم والذي عبر عنه صراحة التصريح الحكومي الذي أغفل الإشارة ولو من باب الشكل إلى النهوض بالعربية وتنميتها بالرغم من وجود أحزاب وطنية في الحكومة بنت حملتها الانتخابية على برنامج تعاقدت فيه مع الناخبين على التمكين للعربية وفرضها في التواصل المؤسساتي. لكن البرنامج الحكومي تراجع بشكل فظ عن هذا الالتزام، مما يجعلنا نسأل الحكومة هل هذا برنامج حزب معين أم برنامج كل أحزابها؟ وإذا كانت بعض هذه الأحزاب قد تعاقدت مع المواطنين على إعادة الاعتبار للعربية والتواصل الرسمي بها في كل الفضاءات فما موقع ذلك من البرنامج الحكومي المصادق عليه؟ . 

منذ عقود ونحن نتابع إصرارا على تهميش العربية ، لكننا الآن نشهد ميزا حقيقيا وحربا ضروسا عليها، يتجلى ليس في تغييبها عن المشهد بل في عدم إيلائها أي أهمية تذكر في الوقت الذي تدعم أختها الأمازيغية ومؤسساتها وبرامجها بالملايير من الدراهم، وهذا حقها، في حين تحاصر العربية وتغيب وتهمش ولا تدعم ، وتغلق مؤسساتها وتحاصر في قوانينها، بل الأنكى أن تزال من كل مجالاتها الطبيعية كالإعلام والإدارة والتعليم. حتى وجدنا وزراء يفتتحون تسلم مهامهم باللغة الأجنبية. والبقية آتية لامحالة. لذا فأخطاء رئيسة الحكومة ليست مجرد صعوبة تطرأ أو همزة تحذف وتنسب زورا إلى أهل مراكش(مع العلم أن خيرة الفصحاء خرجوا من المدينة الحمراء، وقمم الثقافة المغربية من أهلها، ولو كلفت نفسها عناء زيارة المنتديات الثقافية هناك لعرفت حقيقة الأمر) بل هي جزء من سياسة مرسومة منذ عقود من أجل تهميش العربية. والمغاربة عندما يختارون، إن اختاروا، فهم يختارون هويتهم وتنميتهم، ولا تنمية بدون هوية وبدون عربية. لذا فالمطلوب أن يستوعب المسؤول بأن استعمال اللغة الرسمية ليس اختيارا تواصليا أو قرارا ذاتيا وإنما جزء من سيادة الدولة التي يمثلها، وأي تهاون في الأمر أو استهانة بقدرتها على تأمين التميز الوظيفي والسياسي يعني ضربا في استقلاليتها ومنعتها خارجيا، وهدما لمقومات الانتماء داخليا.