إن من يقرأ كلمة السيد وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية أمام البرلمان قراءة حسابية محضة، باحثا فيها عن نسبة النمو أو حجم العجز، يكون قد أخطأ باب الدخول إليها. فهذه ليست كلمة محاسب، بل هي كلمة مفكر دولة، أراد أن يقول إن قانون المالية لم يعد مجرد وثيقة تقنية لتدبير سنة، بل أصبح وثيقة جيو-سياسية بامتياز، يصاغ في عالم يتفكك، ويقدم في وطن يعيد التموضع.
ولكي نفهم عمقها، لا بد أن نضعها في سياقها الكوني. فالعالم الذي عرفناه منذ سقوط جدار برلين، عالم العولمة السعيدة، ونهاية التاريخ، والسوق الذي يصحح نفسه بنفسه، والدولة التي تنسحب لتترك المجال للشركات العابرة للقارات، هذا العالم انتهى. نحن اليوم نعيش ما يسميه المفكرون لحظة "الارتداد الكبير". ارتداد الدولة، وارتداد الحدود، وارتداد السيادة.
لقد كشفت جائحة كوفيد أن من لا يصنع دواءه لا يملك قراره، وكشفت حرب أوكرانيا أن من لا يملك غازه وقمحه لا يملك سيادته، وكشفت حرب سلاسل الإمداد بين واشنطن وبكين أن الحياد الاقتصادي خرافة. فجأة، اكتشفت كبريات الديمقراطيات الليبرالية أن عليها أن تحمي فلاحها وصناعتها وطاقتها، فعادت أمريكا إلى الحمائية بمرسوم "التضخم"، وعادت أوروبا إلى دعم مصانعها بذريعة السيادة، وعدنا نحن في الجنوب نكتشف أننا كنا آخر المؤمنين بعقيدة السوق الحر التي تخلى عنها أصحابها.
وهنا بالضبط يتموضع خطاب الوزير. حين قال إننا فهمنا الدولة الاجتماعية فهما خاطئا، حين اختزلناها في توزيع التعويضات، بينما تركنا السوق ينهش بعضه بعضا بالاحتكار والوساطة الطفيلية والربح الفاحش، فإنه لم يكن ينتقد حكومة سابقة، بل كان يعلن وفاة نموذج فكري كامل. كان يقول إن النيو-ليبرالية المغربية كانت أكثر ليبرالية من الليبرالية العالمية نفسها. كنا نطبق الوصفة بحذافيرها بينما كان واضعو الوصفة يغيرونها.
وهنا يلتقي خطاب الوزير التقني، في عمقه الفلسفي، مع الخطاب السياسي الذي قدمته السيدة رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري وهي تعرض برنامجها الحكومي أمام البرلمان، حتى لكأنهما خطاب واحد بصوتين. فالمنصوري حين تحدثت لم تتحدث بلغة الأرقام، بل بلغة الثقة المفقودة التي يجب استعادتها. قالت إن المغاربة لم يعودوا يريدون حكومة تبرر الغلاء بالسوق الدولية، بل يريدون حكومة تحميهم داخل السوق الوطنية. وحين وضعت محاور برنامجها، لم تبدأ بالاستثمار ولا بالنمو، بل بدأت بالكرامة، كرامة الشاب الذي يبحث عن شغل دون وساطة، وكرامة المرأة التي تدير مقاولة صغيرة تخنقها المساطر والريع، وكرامة الأسرة التي تريد سكنا لائقا دون أن تكون رهينة لمضاربة عقارية متوحشة.
لقد كانت مداخلة المنصوري هي الترجمة السياسية لما فصله وزير ماليتها بلغة الاقتصاد. فهي قالت بوضوح إن "تغيير المسار" يعني أن الدولة ستعود إلى دورها كحكم، لا كمتفرج. ستتدخل حيث يجب أن تتدخل، لا لتزاحم القطاع الخاص، بل لتمنع القطاع الخاص من أن يزاحم بعضه بعضا بطريقة غير شريفة. حين تحدثت عن إصلاح الإدارة وتخليق الحياة العامة وتضارب المصالح، لم تكن تطلق شعارات، بل كانت تضع الشرط السياسي لنجاح ما يقترحه وزيرها في المالية. فلا يمكن لوزير المالية أن يكسر الاحتكار إذا لم تكسر رئيسة الحكومة شوكة الريع السياسي الذي يحميه. ولا يمكن لوزير المالية أن يمول السكن والتعليم والصحة، إذا لم تضمن رئيسة الحكومة أن هذا التمويل سيذهب لمستحقيه، لا لوسطاء جدد.
بل إن المنصوري ذهبت أبعد من ذلك حين ربطت برنامجها بالعدالة المجالية، وهي النقطة التي يغفلها الكثيرون. فالعدالة المجالية في زمن تفكك سلاسل الإمداد العالمية ليست مطلبا جهويا، بل هي استراتيجية سيادية. فمغرب ينتج غذاءه في سوس وطاقته في العيون وصناعته في طنجة، هو مغرب لا يمكن حصاره. وهذا هو الرابط العميق بين خطابها وخطاب وزيرها: حين يقول هو إن احتياطي العملة يغطي ستة أشهر، تقول هي إن احتياطي الكرامة يجب أن يغطي كل المغاربة، من أقصى الريف إلى أقصى الصحراء. وحين يقول هو إن النمو سيبلغ 4,7% بفضل محصول 90 مليون قنطار، تقول هي إن هذا النمو لا معنى له إذا لم يشعر به الفلاح الصغير الذي أنتج هذا المحصول دون أن يمر عبر خمسة وسطاء يأكلون عرقه.
إن ما يسميه الوزير "تغيير المسار" ليس شعارا حزبيا، بل هو في لغة الفلاسفة ما يسمى "تغيير البرادايم". من نموذج الدولة المتفرجة التي تكتفي بجمع الضرائب وتوزيع الفتات، إلى نموذج الدولة الحارسة، الدولة الاستراتيجية التي تتدخل لتكسر الاحتكار، وتفكك اقتصاد الريع، وتحمي المقاولة الصغرى والمتوسطة لا لأنها ضعيفة، بل لأنها هي حاملة السيادة الحقيقية. فالمقاولة الصغرى في زمن الحرب التجارية ليست رقما في الناتج الداخلي، بل هي جيش احتياطي للاقتصاد الوطني.
ولذلك فإن ربطه المحكم بين العدالة الاجتماعية وعدالة السوق لم يكن ترفا لغويا. فكيف يمكن أن نتحدث عن دولة اجتماعية إذا كان المواطن يتلقى 500 درهم دعما مباشرا، ثم يجد أن هذا الدعم قد التهمه وسيط في سوق الجملة أو محتكر للمحروقات أو مضارب في المواد الغذائية؟ إن الدولة التي تعطي باليمين وتترك من يسرق بالشمال ليست دولة اجتماعية، بل هي دولة متواطئة. ومن هنا كانت جملته الأكثر عمقا: لا يمكن بناء اجتماعي عادل باقتصاد ظالم. فالظلم لا يعالج بصدقة، بل يعالج بقانون وبقوة دولة تفرض القانون.
وهذا يقودنا إلى البعد الجيو-سياسي الثاني الذي أحسن الوزير توظيفه بذكاء شديد. حين ذكر في مستهل كلمته القرار الأممي 2797 الذي كرس مبادرة الحكم الذاتي حلا وحيدا واقعيا، فإنه لم يذكره كبند بروتوكولي. بل أراد أن يقول إن المغرب ربح معركة الشرعية الدولية، وحان وقت ربح معركة الشرعية الاقتصادية. فالانتصار الدبلوماسي يجب أن يترجم إلى انتصار تنموي، وإلا ظل ناقصا. والسيادة على الصحراء لا تكتمل إلا بالسيادة على الغذاء والطاقة والدواء. وما معنى أن نكسب العالم سياسيا إذا خسرنا أمننا الغذائي أمام تقلبات بورصة القمح في شيكاغو أو أمننا الطاقي أمام صراع في مضيق هرمز؟
ولهذا كانت أرقامه التي قدمها، رغم تواضعها الظاهري، تحمل دلالة استراتيجية عميقة. حين يقول إن النمو سيبلغ 4,7% مدفوعا بانتعاش فلاحي بعد محصول 90 مليون قنطار، فهو لا يتحدث عن سنة فلاحية جيدة، بل يتحدث عن استعادة جزء من سيادتنا الغذائية. وحين يقول إن التضخم في حدود 0,7% وأن احتياطي العملة يغطي ستة أشهر من الواردات، فهو لا يقدم مؤشرا نقديا، بل يقدم شهادة مناعة في عالم ينهار فيه الآخرون تحت ضغط التضخم ونزيف العملة. وحين يقول إن المداخيل الضريبية ارتفعت بـ 30,2 مليار درهم، فهو لا يبشر بجباية أكثر، بل يبشر بأن الدولة بدأت تستعيد قدرتها على تمويل خياراتها دون الارتهان للمديونية الخارجية التي هي الشكل الجديد للاستعمار.
إن قانون مالية 2027، كما قدمته الحكومة بجناحيها السياسي بقيادة المنصوري والتقني بقيادة وزيرها في المالية، هو إذن ليس قانون سنة، بل هو إعلان دخول المغرب رسميا إلى عصر ما بعد العولمة الساذجة. عصر تعود فيه الدولة لتكون حارسة لا متفرجة، منتجة لا موزعة فقط، عادلة في السوق قبل أن تكون كريمة في الدعم. إنه جواب مغربي على سؤال كوني كبير: ماذا نفعل حين يتفكك العالم؟
وجواب الحكومة كان بليغا كبلاغة المفكرين الكبار: حين يتفكك العالم، لا تنجوا إلا الدول التي تملك شجاعة أن تحمي شعبها من توحش السوق، وأن تحمي سوقها من توحش العالم.






