قضايا

وجهة نظر : الإثراء غير المشروع في المغرب، سؤال "من أين لك هذا؟" بين هيبة الدستور وخشية التعسف

سفيان خلي هنا

ما من سؤال يتردد في مجالس المغاربة كسؤال: "من أين له هذا؟" يرون الموظف بالأمس القريب لا يملك إلا راتبه، فإذا به اليوم يملك الفيلا والضيعة والشركة، فيهمس الناس: فساد. ويرى المسؤول نفسه متهما بلا دليل، فيصيح: حسد وتشهير.


وبين همس الناس وصياح المسؤول، ضاع القانون، وضاع مشروع فصل قانوني ظل حبيس الرفوف لأكثر من عشر سنوات، مع أن الدستور أمر به أمرا صريحا.


فما حكاية هذا الفصل؟ ولماذا نخافه ونحن أحوج ما نكون إليه؟


أولا: ليس كل غنى فسادا، تلك هي الحكمة


تلك هي القاعدة الذهبية التي يجب أن ننطلق منها، وإلا ضللنا.


الدستور المغربي في فصله الخامس والثلاثين يصون حق الملكية، ويجعلها حقا مقدسا. وفي فصله السادس والثلاثين يقرر في نفس الوقت: "يعاقب القانون على شبهات الإثراء غير المشروع، وعلى استغلال التسريبات المخلة بنزاهة الصفقات، وعلى تضارب المصالح".


فكيف نجمع بين حماية الملكية ومعاقبة الإثراء؟


الجواب حكيم ومتزن: القانون لا يعاقب الغنى، بل يعاقب الغنى الذي لا سبب له.


أن تكون تاجرا فتصبح مليونيرا، فذلك حقك، يحميك الدستور والقانون. أما أن تكون موظفا براتب عشرة آلاف درهم، فتمتلك في خمس سنوات عشر شقق في الرباط والدار البيضاء، وتعجز عن تبيان مصدر ثمنها، فتلك هي الشبهة التي أمر الدستور بمعاقبتها.


هكذا فهمه العالم كله. هكذا نصت عليه اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي صادق عليها المغرب سنة 2007. وهكذا طبقته فرنسا في المادة 321-6، وتونس والأردن ورواندا. فالفكرة ليست بدعة مغربية، بل هي قاعدة كونية: إذا تضخمت ثروة الموظف بشكل فاحش لا يتناسب مع دخله المشروع، فعليه أن يوضح من أين جاء بالمال، وإلا صودر ما عجز عن تبريره.


ثانيا: قصة فصل قانوني سحب مرتين


وقصة هذا القانون في المغرب قصة تصلح أن تروى في باب العبرة.


في سنة 2013، تقدم وزير العدل آنذاك، مصطفى الرميد، بمشروع فصل جديد هو الفصل 256 مكرر من القانون الجنائي، ينص على: "يعد إثراء غير مشروع كل زيادة كبيرة وغير مبررة في الذمة المالية لشخص يمارس وظيفة عمومية، عجز عن تبرير مصدرها".


قامت الدنيا ولم تقعد. قال القضاة: هذا قلب لقرينة البراءة، الأصل أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، وأنتم تجعلونه مدانا حتى يثبت براءته. وقال المحامون: هذا باب للوشاية الكيدية والتصفية السياسية.


فأعيد المشروع إلى الورش ليهذب.


وفي سنة 2019، عاد المشروع بصيغة أكثر حكمة وتدرجا: لا سجن مباشرا، بل مسطرة من ثلاث مراحل: تصريح بالممتلكات، فطلب توضيح عند وجود زيادة غير مبررة، فمصادرة للزيادة إذا عجز عن التبرير، ثم متابعة جنائية إذا ثبت أن مصدر المال رشوة أو اختلاس.


صيغة متوازنة تحفظ حق الدولة في السؤال، وتحفظ حق الموظف في الدفاع.


ووضع المشروع فوق رفوف الأمانة العامة للحكومة ينتظر. حتى جاء وزير العدل الجديد، عبد اللطيف وهبي، سنة 2021، فسحب المشروع نهائيا من البرلمان، وقال قولته التي اشتهرت: "فصل من أين لك هذا فيه شبهة دستورية".


فأصبحنا أمام مفارقة دستورية عجيبة: الدستور نفسه يأمر بمعاقبة الإثراء، ووزير العدل يرى في المعاقبة شبهة عدم دستورية وهذا حق 


ثالثا: حجج الخائفين ، وهي وجيهة لا تهمل


لا يجوز أن نستهين بمخاوف من يعارضون هذا القانون، ففيها وجاهة تستحق الإنصات.


أولها: قرينة البراءة. وهي أصل من أصول المحاكمة العادلة. الأصل أن النيابة العامة هي التي تثبت أن المال غير قانوني، لا أن يطالب المواطن بأن يثبت أن ماله قانوني. وقلب عبء الإثبات قد يفتح باب التعسف.


وثانيها: خطر التصفية السياسية، في بلد لا يزال القضاء فيه يبحث عن استقلاله الكامل، قد يتحول القانون إلى سيف بيد السلطة تقطع به رقاب خصومها. كلما أردنا إسقاط مسؤول، لوحنا له بتهمة الإثراء.


وثالثها: خوف الاستثمار، فإذا أصبح كل مسؤول يخاف أن يستثمر مال زوجته أو أبنائه حتى لا يتهم، فإننا نقتل روح المبادرة.


تلك مخاوف حقيقية، والاعتراف بها هو بداية الحكمة.


رابعا: وحجج المطالبين، وهي أرجح وأعدل


لكن حجج المطالبين بتجريم الإثراء أرجح ميزانا وأعلى حجة.


أولها: أمر دستوري صريح. الفصل السادس والثلاثون لا يقول "يمكن" أو "يستحسن"، بل يقول "يعاقب القانون". فعدم إصدار القانون منذ 2011 إلى اليوم هو تعطيل لحكم دستوري، واستهانة بإرادة المشرع الدستوري.


وثانيها: التصريح بالممتلكات بلا أسنان. نحن نلزم اليوم أكثر من 100 ألف مسؤول بالتصريح بممتلكاتهم لدى المجلس الأعلى للحسابات، فماذا بعد ذلك؟ لا شيء. تكدس الأوراق، ولا تقارن، ولا يساءل أحد. فما قيمة تصريح لا يتبعه سؤال؟ القانون الجديد هو الذي يمنح لهذا التصريح أسنانا وأظافر.


وثالثها: الثقة التي انهارت. إن المواطن حين يرى موظفا بسيطا يشيد عمارة من أربعة طوابق في سنتين، ولا أحد يسأله، فإنه لا يفقد الثقة في الموظف فحسب، بل يفقدها في الدولة برمتها. ومحاربة الفساد ليست شعارا أخلاقيا نرفعه في الخطب، بل هي شرط وجود لاستعادة الثقة التي تتحدث عنها كل الحكومات.


خامسا: فما الحل المتزن؟


الحل ليس في قانون يذبح الناس، ولا في فراغ قانوني يحمي اللصوص. الحل في قانون حكيم متدرج، من ثلاث درجات، نطالب به اليوم بلا إفراط ولا تفريط:


الدرجة الأولى: الوقاية والتوضيح، أن يصبح التصريح بالممتلكات رقميا، وأن تقارن ثروة المسؤول تلقائيا كل سنتين مع مداخيله الضريبية وسجله العقاري، فإن ظهرت زيادة غير مبررة، يراسل كتابة ليقدم توضيحا، في أجل معقول.


الدرجة الثانية: المصادرة لا السجن، فإن عجز عن التبرير، لا نسارع إلى سجنه، بل نصادر الزيادة غير المبررة لفائدة الخزينة العامة. فالغاية ليست ملء السجون، بل استرجاع المال العام.


الدرجة الثالثة: العقوبة عند ثبوت الجريمة الأصلية، فإن دلت القرائن على أن مصدر المال رشوة أو اختلاس أو استغلال نفوذ، فحينئذ تحرك المتابعة الجنائية طبقا للقانون الجنائي العادي.


بهذا التدرج نحفظ قرينة البراءة، ونحفظ حق الدولة في المساءلة، ونقطع الطريق على التصفية السياسية والوشاية الكيدية.


وفي الاخير فإنني اعتقد أن قانون الإثراء غير المشروع ليس قانونا ضد الأغنياء، بل هو قانون مع الأغنياء الشرفاء.


التاجر الشريف سيفرح به، لأنه سيميز بينه وبين من اغتنى بصفقة مشبوهة.


والموظف الشريف سيفرح به، لأنه سيحميه من الشبهة، ويبرئ ذمته أمام الناس، والدولة ستفرح به، لأنها ستستعيد ثقة المواطن.


وما وعدت به رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، في برنامجها الحكومي بإعادة هذا الورش إلى الواجهة، وتجريم الإثراء، ومعاقبة تضارب المصالح، ليس مزايدة سياسية، بل هو وفاء متأخر لدستور 2011 الذي كتب بحبر مطالب الشعب.


فليكن قانونا بليغا في عدله، رزينا في مسطرته، متزنا في عقوبته، لا يظلم بريئا، ولا يحمي فاسدا.


فالعدل الحقيقي ليس أن نحاسب الفقير إذا سرق رغيفا، ونسكت عن الغني إذا سرق وطنا.