أسفرت حادثة القطار السريع الأخيرة في إسبانيا وفق آخر حصيلة، عن 69 قتيلاً ونحو 200 جريح، لا يزال 50 منهم قيد العلاج في مستشفيات طليطلة ومدريد، بينهم حالات خطيرة.
في هذه اللحظة الحزينة، لا يسعُنا إلا أن نتقدم بأصدق مشاعر العزاء إلى الشعب الإسباني، وإلى أسر ضحايا كارثة القطار، وإلى كل من مسته هذه الفاجعة. هناك لحظات ينبغي أن يتقدم فيها الإنسان على السياسي، وأن يعلو صوت الحزن على ضجيج التجاذب.
لكن إسبانيا، وهي على أبواب انتخابات عامة، تجد نفسها أمام مأساة دخلت سريعاً في فضاء النقاش السياسي. ومن حق المُعارضة أن تسأل عن المسؤوليات، ومن حق الحكومة أن تقدم توضيحاتها، لكن بين المساءلة المشروعة واستثمار المأساة في الصراع الانتخابي خيط رفيع ينبغي ألا يُقطع.
ثمة جانب آخر يستحق الانتباه. أعلنت السلطات الإسبانية وجود عشرات الأجانب بين ركاب القطار، من جنسيات متعددة، فيما لا توجد، وفق المعطيات المتاحة حتى الآن، معلومات تؤكد وجود ضحايا مغاربة. هذا أمر يُطمئن قبل كل شيء الأسر المغربية التي كانت تنتظر خبراً عن أبنائها وذويها. لكن السؤال الذي يبقى مشروعاً يتعلق بحصر جميع الجنسيات والضحايا بصورة نهائية؟ وهل وصلت المعلومات بوضوح إلى كل السفارات والقنصليات المعنية؟
إذا كان هناك مواطنون مغاربة بين الضحايا، فمن حق أسرهم والرأي العام معرفة ذلك، وإذا لم يكن هناك أي ضحية مغربية، فإن إعلان ذلك رسمياً سيكون أيضاً خبراً مهماً يطمئن آلاف الأسر، ويضع حداً للتكهنات.
لذلك، ربما يكون من واجب الإعلام، الإسباني والمغربي معاً، ألا ينظر إلى الضحايا الأجانب باعتبارهم مجرد أرقام هامشية في كارثة وطنية. المأساة الإنسانية لا تتجزأ بحسب الجنسية، والحزن لا يحتاج إلى جواز سفر.
رحم الله الضحايا جميعاً، إسباناً وأجانب، وشفى المصابين، وألهم أسرهم الصبر. أما المسؤولية السياسية، فلتُناقش بكل صراحة، ولكن بعد أن يُترك للموتى حقهم الكامل في الصمت، ولذويهم حقهم الكامل في الحداد.
الموتى لا يُصوتون، ولا ينبغي أن يتحول الموت إلى ورقة اقتراع.






