يذهب التلاميذ كل صباح إلى المدارس، ويعودون مساء محملين بالدفاتر والكتب، ويحضر الطلاب محاضراتهم في المدرجات الجامعية، ويجتازون الامتحانات ويحصلون على الشهادات، وتمضي سنوات طويلة من أعمارهم داخل المؤسسات التعليمية. لكن السؤال الذي نادرا ما نطرحه بالجدية اللازمة هو: هل نتعلم حقا؟ هل ننتج معرفة تساعدنا على فهم واقعنا وتغييره، أم أننا نعيد إنتاج معارف ومناهج استوردناها من مجتمعات أخرى، ثم نحاول إقحامها في بيئة لم تتوافر فيها الشروط التي سمحت بنشأتها ونجاحها؟
لقد اعتادت أنظمة تعليمية عربية كثيرة استيراد التجارب التربوية الأجنبية، والانتقال من نموذج إلى آخر، وتغيير المصطلحات والمقاربات، وكأن أزمة التعليم تكمن في اسم المنهج الذي ندرسه، لا في طبيعة البيئة التي نطبق فيها ذلك المنهج. أخذنا من التجارب الدولية المقاربة بالكفايات، واستلهمنا نماذج أوروبية في تنظيم التعليم الجامعي، واستعانت بعض الدول بالنموذج الأمريكي في إدارة المدارس، كما توسعت دول عربية اخرى في استقدام البرامج الجامعية الأجنبية وإنشاء فروع لجامعات غربية. وهذه اتجاهات معروفة في مسار الإصلاح التعليمي العربي، غير أن السؤال الأهم يظل قائما: ماذا يحدث حين تنتقل هذه النماذج من بيئتها الأصلية إلى بيئة تختلف عنها في شروط التعلم والبحث والتمويل والتكوين؟
إن المشكلة لا تكمن في الاستفادة من تجارب الآخرين، فالمعرفة الإنسانية ملك مشترك، والتقدم العلمي ثمرة تراكم طويل شاركت فيه شعوب مختلفة. المشكلة تبدأ حين نستورد النموذج في صورته النهائية، ونغفل الشروط التي أنتجته، ثم ننتظر النتائج نفسها. فالدول التي حققت تقدما في التعليم لم تصل إلى ذلك بمجرد تغيير الكتب والمناهج، وإنما بنت منظومات متكاملة تشمل تكوين المدرسين، وتوفير المكتبات والمختبرات، وتمويل البحث العلمي، وتحسين ظروف التعلم، وربط المدرسة بحاجات المجتمع. أما نقل بعض مكونات هذه المنظومة، مع إهمال بقية عناصرها، فيجعل الإصلاح أقرب إلى تغيير الواجهة منه إلى إعادة بناء المؤسسة من الداخل...
إن الأمر يشبه أن تأتي بشجرة موز، فتغرسها في جبل جاف، ثم تنتظر منها الثمار. ستظل تنتظر طويلا، لأنك تجاهلت طبيعة التربة والمناخ والماء الذي تحتاج إليه الشجرة كي تنمو. وهكذا تفعل بعض أنظمتنا التعليمية حين تستورد المناهج والبرامج، ثم تطبقها في مدارس تعاني الاكتظاظ، وتفتقر إلى المختبرات والمكتبات والوسائل التعليمية، ويعمل فيها مدرسون تحت ضغط المقررات الطويلة والامتحانات المتلاحقة. نريد النتائج التي حققتها مجتمعات أخرى، بينما لا نوفر دائما الشروط التي تسمح لأبنائنا بتحقيق نتائج مماثلة...
ولهذا يظل التعليم العربي يدور في دوامة الإصلاحات والتجارب. تتغير المصطلحات، وتتبدل الوثائق، وتعلن الخطط عن الانتقال إلى مرحلة جديدة، بينما تستمر مشكلات قديمة في كثير من المدارس. تدخل المقاربة الحديثة إلى المقرر، ويبقى التلميذ في حالات كثيرة مستمعا ينتظر ما يمليه عليه المدرس. نتحدث عن التفكير النقدي، بينما تكافئ الامتحانات استرجاع المعلومات الجاهزة. ندعو إلى الإبداع، ثم نثقل كاهل المتعلم بمقررات مزدحمة لا تترك له الوقت الكافي للقراءة الحرة والسؤال والتجريب. نريد منه أن يربط المعرفة بالحياة، بينما تفصل بينهما مسافة واسعة، تجعل كثيرا مما يتعلمه مادة مؤقتة لاجتياز الاختبار، ثم نسيانها بعد الحصول على النقطة.
كيف نطلب من تلميذ أن يحلل نصا أدبيا، ويتبع منهجية علمية، ويبني حجة متماسكة، ويطور خياله، بينما قد يكون محيطه اليومي عاجزا عن توفير أبسط شروط القراءة؟ كيف نحدثه عن الخيال العلمي والروبوتات والذكاء الاصطناعي، بينما لا يجد في مدرسته مختبرا مجهزا يستطيع أن يجرب فيه فكرة، أو مكتبة تتيح له الوصول إلى الكتب التي توسع مداركه؟ كيف نطالبه بالبحث والاكتشاف، بينما تظل كلفة الكتب والوسائل التعليمية عبئا على أسر تعاني أصلا من ضيق ذات اليد، وقد يضطر بعضها إلى شراء الدفاتر واللوازم المدرسية بالدين حتى لا يعود أبناؤها إلى المدرسة بأيد فارغة؟
لنتخيل تلميذا عربيا يدرس درسا عن المدن الذكية، ويتعرف إلى السيارات ذاتية القيادة، والمنازل التي تدير استهلاك الطاقة آليا، والروبوتات التي تساعد الإنسان في الصناعة والطب. ينتهي الدرس، فيخرج من القسم إلى شارع تتراكم فيه النفايات، ويمشي فوق رصيف مكسور، ويجد نفسه أمام وسائل نقل تعاني التأخر والاكتظاظ، ثم يعود إلى منزل قد لا تتوفر فيه زاوية هادئة للمراجعة، أو اتصال مستقر بالإنترنت. وقد يجد في حيه أطفالا انقطعوا عن الدراسة، وشبابا يحملون الشهادات ويبحثون عن فرصة عمل، وأسرا تنشغل بتدبير ضروريات الحياة أكثر من انشغالها بشراء الكتب.
إنه يعيش بين عالمين متباعدين: عالم تصفه الكتب باعتباره صورة للمستقبل، وعالم يراه بعينيه كل يوم، وتبدو فيه أبسط شروط الحياة الحديثة بعيدة المنال. وحين لا تساعده المدرسة على بناء جسر بين العالمين، تتحول المعرفة إلى معلومات غريبة عن تجربته، يحفظها كي يجيب عن أسئلة الامتحان، ثم يتركها خلفه عندما يغادر القسم.
يمكن أن نحدث التلميذ عن الثورة الصناعية الرابعة، وعن المدن التي تدير حركة المرور بواسطة الذكاء الاصطناعي، وعن الروبوتات التي تشارك الأطباء في العمليات الدقيقة، ثم نتركه في بيئة لا يجد فيها حاسوبا يستعمله بانتظام، ولا مختبرا يتعلم فيه التجربة، ولا مكتبة يستطيع أن يقرأ فيها خارج المقرر. وقد يحفظ تعريفا للبحث العلمي، دون أن ينجز طوال سنوات دراسته تجربة علمية واحدة تستحق هذا الاسم. في هذه الحالة، تصبح المدرسة مكانا يتلقى فيه المتعلم أخبار العالم، دون أن يمتلك الوسائل التي تسمح له بالمشاركة فيه.
ولا يتعلق الأمر بالتكنولوجيا وحدها. فقد يدرس التلميذ مبادئ المواطنة والمساواة واحترام القانون، ثم يشاهد في حياته اليومية ممارسات تناقض ما تعلمه. يقرأ عن أهمية النظام واحترام الوقت، بينما يرى المؤسسات التي يتعامل معها عاجزة عن الالتزام بالمواعيد. يتعلم أن الحوار وسيلة لحل الخلافات، بينما تحيط به ثقافة اجتماعية تعتبر الاعتراف بالخطأ انتقاصا من المكانة، وتتعامل مع الاختلاف باعتباره خصومة. وعندما تتسع الفجوة بين القيم التي تدرسها المدرسة والسلوك الذي يراه المتعلم في محيطه، تصبح المعرفة معرضة للتحول إلى كلام محفوظ، لا إلى قناعة توجه الممارسة.
من هنا تبدأ ضرورة إعادة التفكير في المناهج التعليمية العربية. نحن بحاجة إلى تعليم ينطلق من الواقع المحلي، ويستفيد في الوقت نفسه من المنجزات الإنسانية أينما تحققت. يستطيع التلميذ أن يتعلم الرياضيات من خلال مشكلات حقيقية في التجارة والفلاحة والبناء، وأن يتعلم العلوم من خلال الماء والتربة والمناخ والطاقة، وأن يدرس التاريخ من خلال تاريخ مدينته ومجتمعه وصلاته بالتاريخ الإنساني. ويمكنه أن يقرأ الأدب العربي والعالمي، ويناقش قضايا الفقر والهجرة والعدالة والبيئة، وينتقل من تجربته اليومية إلى الأسئلة الكبرى التي تشغل الإنسان.
فالطفل الذي يتعلم التلوث يستطيع أن يبدأ من النفايات المتراكمة قرب مدرسته، والذي يدرس الاقتصاد يمكنه أن يربط الدرس بأسعار المواد الأساسية التي تشتريها أسرته، والذي يتعلم مبادئ الطاقة يمكنه أن يفهمها من خلال استهلاك الكهرباء في منزله. هكذا تصبح المعرفة أداة لقراءة الواقع وفهمه، ثم تتوسع تدريجيا لتفتح أمامه أبواب العالم. وحين يفهم التلميذ المشكلة التي يراها بعينيه، يصبح أكثر استعدادا لفهم النظريات التي تفسرها، وأكثر قدرة على استعمال ما يتعلمه في مواقف جديدة.
وهذا لا يعني أن نحاصر أبناءنا داخل حدود بيئتهم، أو أن نحرمهم من التجارب الأجنبية، أو أن نعتبر كل ما يأتي من الخارج غير صالح لنا. فالمجتمعات التي تنغلق على نفسها تحرم أبناءها من فرص التعلم والتطور، والمعرفة لا تعترف بالحدود السياسية. المطلوب أن نمتلك القدرة على الانتقاء والتكييف والابتكار، وأن ندرس التجربة الأجنبية قبل نقلها، ونحدد العناصر التي يمكن الاستفادة منها، والشروط التي يتطلبها تطبيقها، والتعديلات التي تفرضها خصوصية مجتمعنا.
لقد بنت دول كثيرة أنظمتها التعليمية عبر عقود من التجريب والتقييم والتصحيح. وما نراه اليوم من تقدم في مدارسها وجامعاتها هو حصيلة سياسات طويلة استثمرت في الإنسان، وراكمت الخبرة، وراجعت الأخطاء. وحين ننقل نتائج هذه المسارات دون الاهتمام بمقدماتها، فإننا نتعامل مع التعليم كما لو كان وصفة جاهزة، بينما هو عملية اجتماعية وثقافية وعلمية معقدة، تتداخل فيها المدرسة والأسرة والاقتصاد والثقافة والمؤسسات.
والأخطر أن يتحول التعليم العربي إلى سباق على الشهادات والوظائف، فيفقد المتعلم علاقته بالمعرفة خارج حدود الامتحان. يصبح السؤال عن جدوى القراءة مرتبطا بما ستمنحه من فرص مادية، وتصبح المادة الدراسية مهمة بقدر ما تدخل في الاختبار، ويصبح الكتاب الذي لا يدخل في المقرر ترفا يمكن الاستغناء عنه. وعندها نكون قد ضيقنا وظيفة المدرسة نفسها، وحصرناها في إعداد المتعلم لاجتياز مراحل متعاقبة، بدل إعداد إنسان يستطيع أن يفهم المجتمع، ويميز بين الحجة والادعاء، ويشارك في الحياة العامة بعقل مستقل.
إننا بحاجة إلى أن نعيد الاعتبار إلى الكتاب، وإلى القراءة المتأنية، وإلى اللغة التي تسمح للمتعلم بأن يعبر عن أفكاره بدقة. نحتاج إلى مقررات تمنح التلميذ فرصة للتفكير، وتضع أمامه نصوصا تستثير فضوله، وأسئلة تدفعه إلى البحث، وأنشطة تربطه بمحيطه. ونحتاج إلى مدرس يمتلك تكوينا جيدا، ويجد داخل القسم ظروفا تسمح له بالتدريس الفعلي، وإلى أسرة لا تتحول فيها كلفة التعلم إلى عبء يومي، وإلى مؤسسات ثقافية ومكتبات تجعل الوصول إلى المعرفة حقا متاحا للجميع.
ولا يمكن إصلاح المدرسة بمعزل عن المجتمع الذي تعيش فيه. فالطفل لا يتعلم داخل القسم وحده، إنه يتأثر بما يسمعه في البيت، وما يشاهده في الشارع، وما يقرأه في وسائل الإعلام، وما يراه من سلوك الكبار. وإذا كانت المدرسة تدعوه إلى التفكير والسؤال، بينما تحيط به بيئة تضيق بالنقد والاختلاف، فإنها ستحتاج إلى جهد أكبر كي تحول المعرفة إلى سلوك. وإذا كانت تشجعه على القراءة، بينما لا يجد الكتب في متناول يده، فإن الدعوة ستظل محدودة الأثر. وإذا علمته أن الاجتهاد طريق إلى النجاح، ثم شاهد أن الفرص لا تتاح دائما وفق الكفاءة والاستحقاق، فقد تتزعزع ثقته بما يتلقاه داخل الفصل.
وهنا نستحضر تحذير عالم الاجتماع المغربي محمد جسوس من إنتاج "جيل الضباع"، وهي عبارة ارتبطت بنقده للأوضاع الاجتماعية والسياسية التي تحاصر الشباب وتحرمهم من شروط النمو والمشاركة. إن استحضار هذه الفكرة في سياق التعليم العربي يدعونا إلى التفكير في مصير أجيال تقضي سنوات طويلة داخل المدرسة، ثم تخرج إلى مجتمعات لا تجد فيها بعض طاقاتها المساحة التي تسمح لها بالنمو وتحقيق تطلعاتها. فحين تنفصل المعرفة عن الحياة، وتتقلص فرص المبادرة، ويصبح الحصول على الشهادة غاية في ذاته، يتعرض الشباب للإحباط، ويخسر المجتمع جزءا من قدرته على الاستفادة من إمكاناتهم.
إن مسؤولية التعليم أكبر من تلقين المعلومات وإعداد الامتحانات. إنه أحد الشروط الأساسية التي يتشكل من خلالها وعي المجتمع، وتتحدد بها قدرته على التعامل مع المستقبل. وإذا أردنا مدرسة تنتج جيلا قادرا على الإبداع، فعلينا أن نبدأ من الأسئلة الصحيحة: ماذا يتعلم أبناؤنا؟ وكيف يتعلمون؟ وما الذي يستطيعون فعله بما تعلموه؟ وهل تمنحهم المدرسة فرصة لفهم واقعهم، أم تجعلهم يحفظون وصفا لواقع بعيد عنهم؟ وهل نقيس نجاح الإصلاح بعدد الوثائق التي أصدرناها، أم بما أصبح التلميذ قادرا على فهمه وإنجازه؟
نحتاج إلى أنظمة تعليمية عربية تضع البحث العلمي في قلب قراراتها، وتستمع إلى المدرسين والتلاميذ والأسر، وتختبر المناهج قبل تعميمها، وتراجع نتائجها باستمرار. نحتاج إلى استثمار حقيقي في المدرس، وإلى مكتبات مدرسية مفتوحة، ومختبرات فعالة، ومناهج تمنح الفهم والتطبيق مكانة أساسية. ونحتاج إلى أن تكون المدرسة فضاء لاكتشاف المواهب، لا مؤسسة تصنف الأطفال مبكرا بين ناجح وفاشل، ولا مكانا يستهلك فيه المتعلم سنوات عمره دون أن يكتشف قدراته الحقيقية.
فالتلميذ الذي يتعلم كيف يقرأ واقعه، ويحلل ما يراه، ويسأل عن أسبابه، ويبحث عن الأدلة، يستطيع أن ينتقل من مشكلات حيه ومدينته إلى أعقد الأسئلة العلمية والإنسانية. أما التلميذ الذي يحفظ معرفة لا يجد لها صلة بحياته، فقد ينجح في الامتحان ويحصل على الشهادة، ثم يكتشف أن سنوات الدراسة لم تمنحه بالقدر الكافي القدرة التي يحتاج إليها لفهم العالم الذي ينتظره.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للتعليم العربي هو أن ننشغل بتحديث مناهجه على الورق، وننسى الإنسان الذي صممت من أجله. فالمناهج لا تنمو في الوثائق الرسمية، والمعرفة لا تؤتي ثمارها بمجرد استيرادها، إنها تحتاج إلى تربة اجتماعية وثقافية ومؤسساتية تسمح لها بأن تتجذر في عقل المتعلم وحياته. وحين نمتلك القدرة على بناء هذه التربة، يصبح الانفتاح على تجارب العالم مصدر قوة، وتصبح المدرسة قادرة على إعداد جيل يفهم عصره، ويعرف واقعه، ويمتلك الأدوات اللازمة لتغييره.






