تتزايد مخاوف المهتمين بالشأن السياسي والحقوقي من تراجع جودة الممارسة السياسية والديمقراطية داخل المؤسسة التشريعية، على خلفية التوتر والتجاذبات الحادة التي شهدتها الجلسة العامة لمجلس النواب المخصصة لمناقشة البرنامج الحكومي والتصويت عليه، حيث طغت المشادات الكلامية والتلاسن بين مكونات الأغلبية والمعارضة على جوهر النقاش الاقتصادي والاجتماعي المُرتقب.
وقد سلط هذا المشهد المتوتر الضوء على تحول لافت في طبيعة السجال النيابي؛ إذ يرى مراقبون وقانونيون أن البحث عن الإثارة وصناعة "البوز" على منصات التواصل الاجتماعي أصباحا يتقدمان على الأدوار الدستورية الأساسية للبرلمان، والمتمثلة في التشريع الرصين ومراقبة الأداء الحكومي وتقييم السياسات العمومية.
وفي هذا الصدد، اعتبرت المحامية بهيئة الدار البيضاء، كوثر جلال، أن استشراء الخطاب الشعبوي تحت قبة البرلمان بات يهدد بإفراغ العمل السياسي من محتواه الرصين، مشيرة في مقال لها بعنوان "البرلمان ليس سيركاً!" إلى أن بعض المداخلات أضحت تعتمد الاستفزاز والمبالغة لغرض الاستعراض الإعلامي.
وأكدت جلال أن نجاح الفاعل السياسي لا ينبغي أن يُقاس بحجم التفاعلات وعدد المشاهدات الرقمية أو بموجات التصفيق، بل بقدرته على تقديم تحليلات دقيقة وبدائل موضوعية تخدم المصلحة العامة وتُنير الرأي العام.
من جانبه، قدم المحامي أمغار محمد قراءة نقدية أعمق للمشهد النيابي، معتبراً في مقال بعنوان "البرلمان المغربي أو مسرح التمثيل السياسي" أن الممارسة البرلمانية تتجه نحو الاستعراض الفرجوي الذي يسعى فيه كل طرف إلى إرضاء قواعده الجماهيرية.
وأوضح أمغار أن الأزمة لا تقتصر على الشكل الخارجي للخطاب، بل تمتد إلى تداخل الأدوار بين الأغلبية والمعارضة واختلاط حدود المساندة بالاعتراض، مما يخلق ارتباكاً لدى المواطن في فهم الاصطفافات السياسية الحقيقية.
وتعكس هذه الرؤى المتكاملة حجم التحديات التي تواجه المؤسسة التشريعية، حيث تتركز الانتقادات على خطورة تحول القبة البرلمانية إلى فضاء للسجال السطحي، في وقت تتسامى فيه تطلعات الشارع المغربي لمواجهة الرهانات الاقتصادية والاجتماعية المعقدة.
ويبقى الرهان القائم اليوم مشروطاً بمدى قدرة ممثلي الأمة على تغليب المسؤولية الأخلاقية والسياسية، والارتقاء بمستوى الاختلاف الديمقراطي ليعتمد على قوة الحجة والرقابة الفعالة والحلول العملية، بعيداً عن المشاهد الاستعراضية والاستقطاب الرقمي.






