قراءة نقدية في الأولويات والتمويل والحكامة ومؤشرات الإنجاز
تقديم، من إصلاح الجامعة إلى سؤال المعرفة في المشروع الوطني، تحتل الجامعة موقعاً مركزياً في المجتمعات الحديثة؛ فهي ليست مجرد مؤسسة لتكوين الأطر أو إعداد الخريجين للاندماج في سوق الشغل، بل فضاء لإنتاج المعرفة، وتطوير التكنولوجيا، وتكوين النخب العلمية والفكرية، ومساءلة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. كما تمثل إحدى الأدوات الأساسية التي تعتمد عليها الدول لتعزيز قدراتها على الابتكار، وتطوير استقلالية قرارها، والتعامل مع التحديات الوطنية والدولية على أساس علمي.
وفي هذا السياق، يثير البرنامج الحكومي المغربي للفترة 2026–2031، سؤالاً يتجاوز حدود التدبير القطاعي للتعليم العالي وهو: ما المكانة التي يحتلها إنتاج المعرفة في تصور الحكومة لمستقبل المغرب؟
إن طرح هذا السؤال لا ينطلق من افتراض أن الجامعة غائبة عن اهتمامات الدولة، ولا من إنكار الإصلاحات القانونية والمؤسساتية التي عرفها القطاع، بل من ضرورة التمييز بين ثلاثة مستويات متكاملة: إصلاح التعليم العالي، وتطوير البحث العلمي، وبناء اقتصاد ومجتمع قادرين على إنتاج المعرفة وتوظيفها.
فقد تتقدم الدولة في تحديث القوانين الجامعية، وتوسيع العرض التكويني، وإحداث مسالك جديدة، دون أن تحقق بالضرورة تحولاً مماثلاً في قدرتها على إنتاج المعرفة العلمية. وقد تتطور البنية التنظيمية للجامعة، بينما تظل المختبرات تعاني من محدودية الموارد، ويواجه الباحثون صعوبات في تمويل مشاريعهم، ويظل الربط بين نتائج الأبحاث وحاجات المجتمع والاقتصاد محدوداً.
ومن هنا، فانه لا يكفي أن نسأل عما يقدمه البرنامج الحكومي للجامعة، بل ينبغي ايضا أن نسأل: ما الجامعة التي يريد بناءها؟ وما موقع البحث العلمي في مشروعه التنموي؟ وهل يستند هذا المشروع إلى تشخيص علمي موثق للاختلالات القائمة، أم يكتفي بإعادة صياغة أهداف الإصلاح في لغة سياسية جديدة؟ إنها أسئلة تكتسب أهميتها من كون الفترة 2026–2031، تأتي بعد سنوات طويلة من الإصلاحات والبرامج والتصورات الاستراتيجية، وفي سياق تتزايد فيه أهمية المعرفة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن المائي والغذائي والطاقي.
وبناء عليه، فان هذه المقالة تعتمد مقاربة تحليلية نقدية، تجمع بين قراءة الالتزامات الحكومية، وفحص الإطار القانوني والمؤسساتي، واستحضار التقييمات الوطنية ذات الصلة، وصولاً إلى اقتراح معايير يمكن اعتمادها للحكم على مدى تحول البحث العلمي إلى أولوية فعلية في السياسة العمومية.
وعلى هذا الاساس، فان الإشكالية المركزية لهذا المقال تنتظم في التالي: إلى أي حد يقدم البرنامج الحكومي 2026–2031، تصوراً متكاملاً للجامعة المغربية باعتبارها مؤسسة لإنتاج المعرفة والابتكار، وما مدى استناد اختياراته إلى الأدلة العلمية، والتزاماته المالية، وآليات قابلة للقياس والتقييم؟ ويتفرع عن هذه الإشكالية عدد من الأسئلة المحورية: ما موقع الجامعة والتعليم العالي والبحث العلمي ضمن أولويات البرنامج الحكومي؟ هل يميز البرنامج بين إصلاح التكوين الجامعي وتطوير البحث العلمي؟ ما الذي يضيفه البرنامج إلى الإطار القانوني والاستراتيجي القائم؟ هل تتحدد الالتزامات البحثية من خلال أهداف كمية وموارد مالية وآجال واضحة؟ ما مكانة العلوم الإنسانية والاجتماعية في بناء السياسات العمومية؟ ثم كيف يمكن الانتقال من الاعتراف بأهمية البحث العلمي إلى جعله أساساً لصناعة القرار وتقييم النتائج؟
وللإجابة عن هذه الأسئلة، فاننا ننطلق من فرضية مفادها أن الاختبار الحقيقي للسياسة الجامعية لا يتمثل في حجم الإصلاحات المعلنة، بل في قدرة الدولة على تحويل المعرفة العلمية إلى أولوية مالية ومؤسساتية واستراتيجية قابلة للقياس.
المحور الأول: البرنامج الحكومي والجامعة المغربية،
ما وراء الالتزامات المعلنة،
1. التعليم العالي داخل سلم الأولويات الحكومية، يشكل البرنامج الحكومي وثيقة سياسية ومؤسساتية تحدد توجهات الحكومة والتزاماتها خلال الولاية التشريعية. وقد قدمت رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري برنامج حكومتها للفترة 2026–2031، أمام البرلمان يوم 19 أكتوبر 2026، وفق الوثيقة المنشورة على الموقع الرسمي لمجلس النواب. وتقتضي القراءة النقدية لهذا البرنامج التمييز بين الاعتراف بأهمية قطاع التعليم العالي، وتحديد موقعه الفعلي ضمن الأولويات الوطنية، ثم تخصيص الموارد اللازمة لتحقيق الأهداف المعلنة.
فقد تحضر الجامعة ضمن تصور عام لتطوير التعليم والتكوين، أو باعتبارها رافعة لتأهيل الموارد البشرية والاستجابة لمتطلبات الاقتصاد. غير أن هذه الوظائف، على أهميتها، لا تستنفد أدوار الجامعة الحديثة.
فالجامعة ليست مجرد حلقة أخيرة في سلسلة التعليم، ولا مجرد مؤسسة لإنتاج اليد العاملة المؤهلة؛ إنها مؤسسة "مستقلة" لإنتاج المعرفة، وتطوير أدوات التفكير والتحليل، وبناء القدرات العلمية اللازمة لفهم التحولات الاجتماعية والاقتصادية. ومن ثم، فإن تقييم مكانة الجامعة في البرنامج الحكومي ينبغي ألا يعتمد على عدد الإشارات إليها، بل على طبيعة الالتزامات المترتبة على تلك الإشارات. فهل يحدد البرنامج أهدافاً لتطوير البحث الأساسي والتطبيقي؟ هل يربط تمويل الجامعات ببرامج بحثية متعددة السنوات؟ هل يتضمن إجراءات لتحسين شروط عمل الباحثين؟ وهل يحدد مؤشرات يمكن من خلالها قياس تطور الإنتاج العلمي والابتكار؟
إن هذه الأسئلة بدون شك، تنقل القراءة من مستوى الخطاب العام إلى مستوى السياسة العمومية.
2. من تأهيل الموارد البشرية إلى إنتاج المعرفة، يُعد تأهيل الموارد البشرية وظيفة أساسية للجامعة، لكنها ليست الوظيفة الوحيدة. فحين تقتصر السياسات الجامعية على مواءمة التكوينات مع حاجات سوق الشغل، فإنها تخاطر بتحويل الجامعة إلى مؤسسة تستجيب للطلب الاقتصادي الآني، بدلاً من أن تكون فضاءً لإنتاج المعرفة التي يمكن أن تفتح مجالات اقتصادية واجتماعية جديدة. والفارق جوهري هنا؛ إذ إن الاستجابة لحاجات سوق الشغل تختلف عن تطوير القدرات العلمية التي تتيح استشراف المهن المستقبلية، وتطوير التكنولوجيا، وإنشاء صناعات جديدة، وتحسين أداء المؤسسات العمومية.
إن المغرب، الذي يواجه تحديات متزايدة في مجالات الماء والطاقة والصحة والفلاحة والصناعة والتحول الرقمي، يحتاج إلى جامعة لا تكتفي بتكوين الأطر التي ستعمل في هذه القطاعات، بل تسهم أيضاً في إنتاج الحلول العلمية والتقنية التي تحتاج إليها. فمشكلات ندرة المياه، على سبيل المثال، ليست مجرد قضايا تدبيرية، بل تتطلب أبحاثاً في المناخ والهيدرولوجيا والهندسة والاقتصاد والسياسات العمومية. كما أن التحولات التي تعرفها الفلاحة تحتاج إلى معرفة علمية في مجالات التربة والمياه والبذور والتكنولوجيا الحيوية والاقتصاد القروي. والأمر ينطبق ايضا على قضايا البطالة والهجرة والتفاوتات الاجتماعية والتحولات الثقافية؛ إذ لا يمكن معالجتها بالقرارات الإدارية وحدها، من دون تشخيص علمي يستند إلى البيانات والتحليل المقارن والتقييم المستمر.
وبناء عليه، فإن السؤال الموجه إلى البرنامج الحكومي ليس ما إذا كان يربط الجامعة بالتنمية، بل ما إذا كان يحدد آليات تجعل الجامعة شريكاً في إنتاج الحلول، لا مجرد مزود للمؤسسات بالكفاءات البشرية.
3. الجامعة بين خدمة الاقتصاد وخدمة المجتمع، ان من الأخطاء المنهجية المتداولة، وضع الوظيفة الاقتصادية للجامعة في تعارض مطلق مع وظائفها الثقافية والاجتماعية والفكرية. فالجامعة التي تنتج المعرفة وتطور التفكير النقدي وتؤهل الباحثين يمكن أن تسهم في الاقتصاد، كما يمكن أن تدعم جودة الحياة العامة وقدرة المجتمع على فهم تحولاته. الا ان الإشكال الكبير يظهر عندما تصبح المردودية الاقتصادية المعيار شبه الوحيد لتقييم التخصصات والبرامج البحثية.
فالعلوم الإنسانية والاجتماعية، على سبيل المثال، لا يمكن تقييمها بنفس بالمعايير التي تُقاس بها بعض المشاريع الصناعية أو التقنية. ذلك أن إنتاج دراسة تاريخية جديدة، أو تحليل علمي للتحولات الديمغرافية، أو بحث في أسباب الهدر المدرسي، أو تقييم لسياسة عمومية، قد لا يؤدي مباشرة إلى تسجيل براءة اختراع، لكنه قد يوفر معرفة ضرورية لفهم المجتمع وتحسين القرارات. ومن هنا تبرز ضرورة أن يقدم البرنامج الحكومي تصوراً متوازناً لوظائف الجامعة، يربط بين التكوين والبحث والابتكار، ويحافظ في الوقت نفسه على التعدد المعرفي واستقلالية البحث وحرية الاختيار العلمي.
إن الجامعة التي تُختزل في احتياجات السوق تفقد جزءاً من قدرتها على نقد السوق، والجامعة التي تُفصل عن المجتمع تفقد جزءاً من مبررات تمويلها العمومي.
لذلك، فان المطلوب، ليس الاختيار بين الجامعة الاقتصادية والجامعة الفكرية، بل بناء جامعة تجمع بين الإنتاج العلمي والابتكار والمسؤولية الاجتماعية.
المحور الثاني: هل يستند البرنامج الحكومي إلى البحث العلمي؟ من سؤال المرجعيات إلى سؤال الأدلة،
1. ضرورة التمييز بين البحث العلمي في البرنامج والبحث العلمي الذي يستند إليه البرنامج، ان هذا هو السؤال الأكثر ذو اهمية بالغة؛ لأنه يتعلق بمنهج إعداد السياسة العمومية، وليس بمضمونها القطاعي فقط.
فثمة فرق بين أن يتضمن البرنامج الحكومي التزامات تتعلق بالبحث العلمي، وأن يكون إعداد البرنامج قد استند إلى نتائج البحوث والدراسات والتقييمات العلمية.
ففي الحالة الأولى، يتعلق الأمر بمضمون السياسة المعلنة. أما في الحالة الثانية، فنحن أمام منهجية إنتاج القرار العمومي.
وفي هذا السياق، يفترض ان يستند إعداد برنامج حكومي إلى الأدلة العلمية والمرور بمراحل مترابطة:
- تشخيص المشكلات بالاعتماد على بيانات موثوقة.
- مراجعة نتائج السياسات والإصلاحات السابقة.
- تحديد البدائل الممكنة، ومقارنة تكلفتها ونتائجها المتوقعة.
- اختيار التدخلات الأكثر ملاءمة بناء على الأدلة المتاحة.
- تحديد أهداف كمية وآجال للتنفيذ ومؤشرات للقياس.
- اعتماد تقييم دوري يسمح بتعديل السياسة عندما تكشف النتائج عن محدوديتها. وهو ما يمكن تطبيقه على السياسة الجامعية المغربية عموما.
فإذا كان البرنامج الحكومي يستهدف تحسين جودة التعليم العالي، فإن ذلك يستدعي تحديد المقصود بالجودة، وقياس وضعها الراهن، وتحديد الاختلالات التي تعوقها، ثم بيان التدخلات التي يُتوقع أن تعالجها.
وإذا كان يستهدف تطوير البحث العلمي، فإن الأمر يقتضي تحديد مستوى التمويل، وتوزيعه بين المؤسسات والتخصصات، وتشخيص وضع المختبرات والتجهيزات والموارد البشرية، وفحص شروط نشر الأبحاث وتثمين نتائجها. أما إذا كان يستهدف تعزيز مساهمة الجامعة في التنمية، فينبغي تحديد الآليات التي ستربط الأبحاث بحاجات المؤسسات العمومية والاقتصاد والمجتمع.
فلا يكفي، إذن، أن يكون البحث العلمي موضوعاً من موضوعات البرنامج؛ بل ينبغي أن يكون أيضاً أحد مصادر المعرفة التي يستند إليها إعداد البرنامج وتنفيذه وتقييمه.
2. هل تكشف الوثيقة عن المرجعيات العلمية التي اعتمدتها الحكومة؟ يقتضي الجواب الدقيق، فحص الوثيقة الكاملة وملاحقها، والبحث عن إحالات واضحة بالاضافة الى الدراسات والتقارير التي استندت إليها الحكومة في تشخيص وضعية الجامعة.
لذلك، ينبغي، في هذا السياق، التمييز بين ثلاثة أنواع من المرجعيات:
الأول: المرجعيات القانونية والاستراتيجية، وتشمل الدستور والقوانين المنظمة للتعليم العالي والبحث العلمي، فضلاً عن التوجهات والاستراتيجيات الوطنية ذات الصلة.
الثاني: المرجعيات التشخيصية والتقييمية، وتشمل التقارير التي ترصد واقع الجامعة، وتقيّم نتائج الإصلاحات السابقة، وتحدد الاختلالات التي تحتاج إلى تدخل حكومي.
الثالث: الأدلة العلمية والأكاديمية، وتشمل الدراسات المنشورة، والبحوث المقارنة، والتقييمات المستقلة، والبيانات التي تساعد على تفسير أسباب المشكلات، واختبار فعالية الحلول المقترحة.
ولا يمكن اعتبار هذه المرجعيات متطابقة؛ فوجود قانون ينظم قطاعاً معيناً لا يثبت أن جميع الاختيارات المتعلقة به قد بُنيت على أدلة علمية، كما أن الاستناد إلى تقرير تشخيصي لا يعني بالضرورة أن توصياته تحولت إلى التزامات مالية وتنفيذية.
وفي حدود الوثائق التي تم الاطلاع عليها، لا تتوفر أدلة كافية للجزم بأن إعداد البرنامج الحكومي 2026–2031، استند إلى منظومة متكاملة ومعلنة من الدراسات العلمية والتقييمات المستقلة الخاصة بالجامعة والبحث العلمي.
ولذلك، فإن أحد المطالب المنهجية الأساسية هو إتاحة المرجعيات التشخيصية التي بُنيت عليها السياسة الجامعية، لكي يتمكن الباحثون والجامعات والبرلمان والرأي العام من فحص مدى اتساق الأهداف المعلنة مع المعطيات التي استندت إليها.
3. رأي المجلس الأعلى للتربية والتكوين: مرجعية نقدية لا يجوز تجاوزها، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة، خاصة عند استحضار رأي المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي رقم 2025/18، الصادر في مايو 2025، بشأن مشروع القانون المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار. فقد أكد المجلس أن الوظيفة الأساسية للتعليم العالي تشمل الارتقاء بالفرد، وتكوين الكفاءات، وإنتاج المعرفة والتكنولوجيا ونشرهما، وربط ذلك بتطوير المجتمع وبناء اقتصاد المعرفة. كما شدد على أهمية وجود تصور استراتيجي واضح للمنظومة.
والأهم من ذلك، أن المجلس أبدى ملاحظات صريحة بشأن التصور العام لمشروع القانون، مشيراً إلى أن المشروع لم يجسد، بالقدر الكافي، بعض التوجهات الكبرى للسياسة العمومية والاختيارات الاستراتيجية المتعلقة بالتعليم العالي. كما دعا إلى تحديد أوضح لوظائف المنظومة، وإلى صياغة رؤية وطنية للبحث العلمي والابتكار تتجاوز مجرد تنظيم المؤسسات.
وبتاء على هذه الملاحظات يمكت طرح سؤال جوهري على البرنامج الحكومي الجديد: هل استوعب التصور الحكومي للفترة 2026–2031 الإشكالات الاستراتيجية التي أثارها المجلس الأعلى، وحولها إلى التزامات عملية قابلة للتنفيذ والتقييم؟ انه لا يمكن الجزم بالإجابة عن هذا السؤال من دون إجراء مقارنة تفصيلية بين النص الكامل للبرنامج الحكومي وتوصيات المجلس. لكن وجود هذه المرجعية يجعلها نقطة انطلاق ضرورية لأي تقييم علمي للسياسة الجامعية. فالمجلس لا يقدم مجرد ملاحظات تقنية على مشروع قانون، بل يناقش طبيعة الرؤية التي ينبغي أن تحكم منظومة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار. ومن هنا أهمية الانتقال من إصلاح القواعد المنظمة للجامعة إلى تحديد المشروع المعرفي الذي يُراد لهذه الجامعة أن تحققه.
4. من المرجعيات إلى الالتزامات: من أين تبدأ المساءلة؟
إن الإشكال لا يتعلق بوجود الدراسات والتقارير فقط، بل بكيفية ترجمتها إلى اختيارات حكومية. فقد تقدم المؤسسات الوطنية تشخيصات دقيقة، وقد تنجز الجامعات بحوثاً مهمة حول المشكلات التي تواجهها، لكن أثر هذه المعرفة يظل محدوداً إذا لم تتحول إلى قرارات وموارد وبرامج تنفيذية.
فإذا كانت المشكلة هي ضعف تمويل البحث العلمي، فلا يكفي إعلان أهمية الابتكار، بل ينبغي تحديد حجم الموارد المطلوبة، ومصادرها، والجدول الزمني لتعبئتها.
وإذا كانت المشكلة هي تفاوت الإمكانات بين الجامعات، فلا يكفي الإعلان عن العدالة المجالية، بل ينبغي تحديد معايير توزيع التمويل والتجهيزات والموارد البشرية.
وإذا كانت المشكلة هي ضعف استفادة السياسات العمومية من الأبحاث الجامعية، فينبغي إحداث آليات تتيح للوزارات والمؤسسات العمومية الاستفادة من الخبرة العلمية للجامعات، مع الاحترام التام لاستقلالية الباحثين. ومن هنا فإن وظيفة البحث العلمي مزدوجة: فهو موضوع للسياسة الحكومية، وفي نفس الوقت أداة لتقييم هذه السياسة.
المحور الثالث: القانون رقم 59.24، هل يكفي الإطار القانوني لبناء جامعة منتجة للمعرفة؟
1. من إصلاح القانون إلى إصلاح المنظومة، بدون شك، ان القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي يشكل أحد المراجع الأساسية لتقييم البرنامج الحكومي 2026–2031. وقد صدر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.26.04 بتاريخ 11 فبراير 2026، ونُشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 23 فبراير 2026. ويحدد القانون التوجهات العامة للسياسة العمومية في مجال التعليم العالي والبحث العلمي، بما يشمل الهيكلة والحكامة والهندسة البيداغوجية وآليات الدعم والتتبع والتقييم والتمويل.
وتكمن أهمية هذا القانون في أنه يؤطر مرحلة جديدة من تنظيم القطاع، ويحدد قواعد عامة لتدبيره وعلاقته بمحيطه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. الا أن صدور القانون، مهما كانت أهميته، لا يعني أن التحول الجامعي قد تحقق تلقائياً. فالقانون ينظم المؤسسات والعلاقات والاختصاصات، لكنه لا يستطيع أن يضمن جودة البحث العلمي، أو يوفر التمويل الضروري للمختبرات، أو يخلق بيئة ملائمة للباحثين، أو يحول المعرفة المنتجة إلى حلول للمشكلات الوطنية. فهذه النتائج تحتاج إلى سياسات تنفيذية، وموارد مالية وبشرية، وقرارات مؤسساتية متناسقة، وآليات للتقييم والمساءلة.
وتاسيسا على ذلك، يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات من الاصلتح،
- الإصلاح القانوني: من خلال تحديد القواعد والاختصاصات وآليات التنظيم.
- الإصلاح المؤسساتي: من خلال تطوير أداء الجامعات والمختبرات ومراكز البحث.
- الإصلاح المعرفي: من خلال تعزيز القدرة على إنتاج معرفة جديدة، وتطوير الابتكار، وتوظيف نتائج الأبحاث في التنمية.
2. ماذا أضاف القانون إلى النقاش حول الجامعة؟ ينص القانون رقم 59.24، في مادته الأولى، على تنظيم جوانب تشمل حكامة التعليم العالي، وهندسته البيداغوجية واللغوية، وآليات دعمه وتتبع أدائه وتقييمه، ومصادر تمويله، وعلاقته ببقية مكونات منظومة التربية والتكوين وبمحيطه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
وتعكس هذه المقتضيات أهمية الربط بين التنظيم والتقييم والتمويل والتفاعل مع المحيط.
وفي هذا الصدد، يبقى السؤال النقدي هو: كيف ستتحول هذه المبادئ العامة إلى أدوات تنفيذية تضمن قدرة الجامعة على أداء وظائفها؟ فوجود آليات للتتبع لا يضمن وحده جودة التقييم، ما لم تكن هناك مؤشرات مناسبة وبيانات متاحة واستقلالية كافية للجهات المقيمة.
كما أن وجود قواعد للتمويل لا يضمن استدامة الموارد البحثية، ما لم تُحدد الاعتمادات الفعلية وأولويات توزيعها، وتُربط البرامج البحثية بأفق زمني يسمح باستمرارها.
وبالمثل، فإنه لا يكفي تشجيع علاقة الجامعة بمحيطها الاقتصادي والاجتماعي ما لم توجد آليات واضحة لتحديد حاجات المؤسسات والمجتمع، وتحويلها إلى مشاريع بحثية مشتركة، وتقييم النتائج التي تحققها.
ومن ثم، ينبغي أن يقدم البرنامج الحكومي رؤية تنفيذية تكمل الإطار القانوني، وتوضح كيف ستُعبأ الموارد اللازمة لتفعيل مقتضياته.
3. ما الذي تكشفه ملاحظات المجلس الأعلى؟ إن العودة إلى رأي المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي الصادر في مايو 2025، تكشف عن أهمية عدم التعامل مع الإصلاح القانوني باعتباره غاية في حد ذاته.
فالمجلس لم يقتصر على مناقشة التفاصيل التنظيمية، بل أثار أسئلة تتعلق بالرؤية الاستراتيجية، ووظائف التعليم العالي، واستقلالية الجامعة العمومية، والحكامة، والنموذج البيداغوجي، وتطوير البحث العلمي والابتكار، وتمويل المنظومة وتقييمها. ان هذه المجالات يجب أن تكون موضوعاً للمساءلة عند قراءة البرنامج الحكومي.
فإذا كان التشخيص الوطني يحدد الحاجة إلى رؤية استراتيجية متكاملة، فإن المطلوب من البرنامج الحكومي هو بيان كيفية تحويل تلك الرؤية إلى التزامات محددة. وإذا كان التمويل أحد الشروط الأساسية لتطوير البحث العلمي، فإن المطلوب هو تحديد مساره ومصادره. وإذا كانت استقلالية الجامعة شرطاً لتطوير البحث، فإن المطلوب هو توضيح كيفية التوفيق بين المساءلة عن النتائج، واستقلالية القرار الأكاديمي والعلمي. أما إذا كان التقييم ضرورياً لضمان الجودة، فينبغي أن يوضح البرنامج كيف ستُنشر النتائج، ومن سيقيمها، وكيف ستؤثر في القرارات اللاحقة.
وبذلك، يصبح القانون إطاراً لتنظيم المنظومة، بينما تتحمل السياسة الحكومية مسؤولية توفير الشروط العملية التي تتيح لهذا الإطار تحقيق أهدافه.
4. خطر إعادة إنتاج دورة الإصلاحات، لقد عرف التعليم العالي المغربي، على مدى عقود، تعديلات قانونية ومؤسساتية وبرامج إصلاحية متعددة. ولا يعني ذلك بالضرورة أنها غير مجدية؛ فقد تكون بعض التعديلات ضرورية لمواكبة التحولات العلمية والاجتماعية. لكن تتابع الإصلاحات قد يثير تساؤلاً مشروعاً حول أسباب استمرار بعض الاختلالات، ومدى قدرة السياسات الجديدة على معالجة جذورها. فهل تكمن بعض صعوبات الجامعة المغربية في نقص القواعد القانونية، أم في ضعف شروط التنفيذ والتمويل والتنسيق والتقييم؟
فإذا كانت المشكلة مرتبطة أساساً بالتنفيذ، فإن إصدار قواعد جديدة لن يكون كافياً ما لم يصاحبه تغيير في آليات التدبير وتوزيع الموارد والمساءلة عن النتائج.
وإذا كانت المشكلة مرتبطة بتشتت السياسات، فإن الحل يتطلب تنسيقاً مؤسساتياً يضمن انسجام القرارات المتعلقة بالتعليم العالي والبحث العلمي والميزانية والابتكار والتنمية المجالية.
أما إذا كانت المشكلة مرتبطة بضعف القدرة على إنتاج المعرفة، فإن المطلوب هو الاستثمار في الباحثين والمختبرات والتكوين البحثي والشراكات العلمية.
لذلك، فإن التحدي الذي يواجه البرنامج الحكومي لا يتمثل في الإعلان عن إصلاح جديد فقط، بل في تحديد ما إذا كان هذا الإصلاح سيعالج الأسباب التي حدّت من نتائج الإصلاحات السابقة.
المحور الرابع: تمويل البحث العلمي، الاختبار الحقيقي للسيادة العلمية،
1. لا سيادة علمية بدون استثمار مستدام في المعرفة،
لقد أصبحت السيادة العلمية والتكنولوجية من المفاهيم الأساسية في النقاش حول مستقبل الدول وقدرتها على مواجهة الأزمات والتحولات الدولية. فالدولة التي لا تمتلك قاعدة علمية قادرة على إنتاج المعرفة وتطوير التكنولوجيا تظل معتمدة كليا على الخارج في عدة مجالات حيوية، بل حتى عندما تمتلك موارد مالية أو طبيعية مهمة. ولا تعني السيادة العلمية الانغلاق عن التعاون الدولي، بل تعني امتلاك القدرة على الاختيار والتفاوض والتطوير والتكييف، بدلاً من الاكتفاء باستهلاك ما ينتجه الآخرون.
ومن هذا المنظور، فإن الحديث عن السيادة العلمية يقتضي النظر إلى تمويل البحث العلمي باعتباره استثماراً استراتيجياً طويل الأمد، وليس مجرد نفقة قطاعية تنافس بقية النفقات العمومية. فالبحث الأساسي قد لا ينتج تطبيقات اقتصادية فورية، لكنه يوفر قاعدة معرفية يمكن أن تنشأ عنها لاحقاً ابتكارات مهمة. كما أن البحث التطبيقي يحتاج إلى قاعدة علمية وبشرية متينة، وإلى مختبرات قادرة على التجريب والتطوير.
ومن ثم، فإن اختزال تمويل البحث في المشروعات التي تحقق مردودية مباشرة وسريعة قد يؤدي إلى إضعاف القدرة العلمية على المدى الطويل.
2. أين يقف التمويل من الالتزامات الحكومية؟ انه عند تقييم البرنامج الحكومي 2026–2031، يجب البحث عن جواب واضح عن أربعة أسئلة: ما مستوى الإنفاق الوطني على البحث والتطوير الذي يستهدف البرنامج بلوغه في نهاية الولاية؟ ما الجدول الزمني للانتقال من الوضع القائم إلى المستوى المستهدف؟ ما توزيع المسؤولية المالية بين الدولة والجامعات والقطاع الخاص ومصادر التمويل الأخرى؟ ما الآليات التي ستضمن استقرار التمويل واستمراره عبر السنوات؟
وتظل المطالبة بتحديد هدف مالي قابل للقياس مطلباً أساسياً؛ لأن الالتزام بتطوير البحث العلمي لا يمكن تقييمه بدقة بدون معرفة الموارد التي ستُخصص له.
3. لماذا لا يكفي رفع ميزانية البحث العلمي؟ انه حتى عندما يرتفع الإنفاق على البحث والتطوير، فإن الأثر يتوقف على كيفية توزيع الموارد واستعمالها. فقد تتوافر اعتمادات مالية، لكن يصعب على المختبرات الوصول إليها بسبب تعقيد المساطر. وقد تتعدد برامج التمويل، لكنها تظل قصيرة الأمد، بما لا يسمح بإنجاز أبحاث تحتاج إلى سنوات. وقد يحصل بعض الباحثين على تمويل، بينما تعاني تخصصات أخرى نقصاً في التجهيزات الأساسية. لذلك، ينبغي أن تتضمن السياسة الوطنية للبحث العلمي ما يلي:
أ- تمويلاً مستقراً ومتعدد السنوات للمختبرات ومراكز البحث.
ب- برامج تنافسية لتمويل المشروعات العلمية وفق معايير معلنة.
ج- دعماً خاصاً للباحثين الشباب ومشروعات الدكتوراه.
د- آليات شفافة لتوزيع الموارد بين الجامعات والجهات والتخصصات.
ح- تمويلاً للبحث الأساسي إلى جانب البحث التطبيقي.
خ- بنية تحتية مشتركة تتيح للجامعات الاستفادة من التجهيزات العلمية المتقدمة.
ت- قواعد واضحة لتقييم النتائج وحماية النزاهة العلمية.
والأهم من ذلك، أن تُصمم آليات التمويل بما يحافظ على التوازن بين دعم البحث ذي الأولوية الوطنية، وترك مساحة للباحثين لاختيار موضوعاتهم وفق المعايير العلمية. فالدولة تحتاج دائما إلى توجيه جزء من مواردها نحو التحديات الكبرى، لكنها تحتاج أيضاً إلى فضاء أكاديمي يسمح بظهور أفكار واكتشافات لم تكن ضمن الأولويات المقررة مسبقاً.
4. الجامعة العمومية والاستثمار في المستقبل، تتحمل الجامعة العمومية مسؤولية خاصة في هذا المجال؛ لأنها تتيح التكوين والبحث لفئات واسعة من المجتمع، وتوفر البنية الأساسية لإنتاج المعرفة في عدد كبير من التخصصات. ولا يجب أن يُفهم ذلك باعتباره دعوة إلى استبعاد الجامعات الخاصة أو الشراكات مع المقاولات، بل باعتباره تأكيداً على ضرورة توفير قاعدة علمية وطنية مستقرة، لا يتوقف وجودها على المصالح التجارية أو تقلبات التمويل القصير الأمد.
ومن ثم، فإن السؤال المالي الأهم ليس كم تنفق الدولة على الجامعة فقط، بل أيضاً ما طبيعة الإنفاق، وكيف يُوزع، وما النتائج التي يُنتظر أن يحققها.
إن السيادة العلمية لا تُقاس بعدد المرات التي ترد فيها في الخطاب الحكومي، بل بقدرة الدولة على تمويل إنتاج المعرفة، والاحتفاظ بالكفاءات، وتطوير التكنولوجيا، وتوظيف نتائج البحث في خدمة المجتمع.
المحور الخامس: الحكامة الجامعية واستقلالية البحث، من يدير المعرفة ومن يحدد أولوياتها؟
1. الحكامة ليست توزيع للاختصاصات فقط، تُعد الحكامة من المفاهيم المركزية في إصلاح التعليم العالي، لكنها قد تتحول إلى مفهوم إداري ضيق إذا اقتصر استخدامها على تنظيم المؤسسات وتحديد المسؤوليات.
فالحكامة الجامعية لا تتعلق بمن يوقع القرارات أو يدير الميزانيات فقط، بل تتعلق أيضاً بكيفية تحديد الأولويات العلمية، وتوزيع الموارد، وضمان النزاهة، وإشراك الفاعلين، وحماية الاستقلالية الأكاديمية، ويقتضي إصلاح الحكامة بناء توازن بين مسؤولية المؤسسات عن النتائج، وحقها في اتخاذ القرارات العلمية والبيداغوجية المناسبة. فإذا كانت الجامعة مسؤولة عن تطوير البحث العلمي، فإنها تحتاج إلى قدر من الاستقلالية في اختيار موضوعات البحث وتنظيم مختبراتها وبناء شراكاتها العلمية.
في مقابل ذلك، ، فإن استقلالية الجامعة لا تعني غياب المساءلة عن استخدام المال العام، أو إعفاء المؤسسات من تقييم نتائجها. ويبقى التحدي، هو الجمع بين الاستقلالية والمسؤولية، مع عدم التضحية بإحداهما لصالح الأخرى.
2. ما الذي يجب أن يوضحه البرنامج الحكومي؟ حول هذه المسالة، ينبغي أن تكون العلاقة بين الحكامة والبحث العلمي موضوعاً صريحاً في تقييم البرنامج الحكومي. فهل ستتوفر الجامعات على هامش كافٍ لتحديد أولوياتها البحثية؟ كيف ستُوزع الموارد بين البحث الأساسي والمشروعات ذات الأولوية الوطنية؟
ما موقع الأساتذة الباحثين والطلبة في صنع القرارات المتعلقة بالبحث؟ كيف ستُضمن الشفافية في اختيار المشروعات والمستفيدين من التمويل؟ ما الآليات المعتمدة لتقييم الأداء العلمي بعيداً عن الاعتبارات غير العلمية؟ كيف ستُحمى حرية البحث والنشر الأكاديمي؟
ما الإجراءات التي ستُتخذ لضمان النزاهة العلمية ومواجهة الانتحال والتلاعب بالبيانات؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تقتضي وضع جميع تفاصيل التدبير داخل البرنامج الحكومي، لكنها تتتطلب تحديد المبادئ والالتزامات الكبرى التي ستوجه السياسة الجامعية.
3. الاستقلالية والمسؤولية، معادلة لا يمكن تجاوزها،
تحتاج الجامعة حتما إلى الاستقلالية لكي تتمكن من ممارسة وظيفتها العلمية والفكرية، كما تحتاج في نفس الوقت إلى منظومة واضحة للمساءلة. فالمؤسسة التي لا تخضع لأي تقييم قد تعاني ضعف النجاعة أو غياب الشفافية. والمؤسسة التي تخضع لتدخل إداري مفرط قد تفقد ها القدرة على التجديد والمبادرة.
لذلك، يقتضي الحل اعتماد تقييم متعدد الأبعاد، يجمع بين المؤشرات الكمية والنوعية، ويأخذ بعين الاعتبار اختلاف التخصصات والمهام العلمية. فعدد المنشورات العلمية، مثلاً، مؤشر مفيد لكنه غير كافٍ وحده للحكم على جودة البحث. كما أن عدد براءات الاختراع لا يصلح معياراً وحيداً لتقييم جميع الجامعات، لأن طبيعة الإنتاج العلمي تختلف بين الهندسة والطب والعلوم الأساسية والآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية.
ومن ثم، ينبغي أن تكون معايير التقييم متعددة، وأن تراعي طبيعة التخصصات والموارد المتاحة والوظائف المختلفة للجامعة.
4. الحكامة والإنصاف بين الجامعات، انه لا يمكن بناء منظومة جامعية متوازنة إذا ظلت إمكانات البحث العلمي متفاوتة بدرجة تحد من قدرة بعض المؤسسات على المشاركة الفعلية في إنتاج المعرفة. لذلك، تحتاج معالجة هذه المسألة إلى بيانات دقيقة عن توزيع التمويل والتجهيزات والباحثين ومشاريع الدكتوراه بين الجامعات والجهات. كما ينبغي التمييز بين الإنصاف وتوزيع الموارد بالتساوي المطلق؛ فبعض المشروعات تتطلب استثمارات كبيرة بسبب طبيعة التجهيزات أو كلفة التجارب، لكن ذلك لا يبرر حرمان جامعات أخرى من الحد الأدنى من البنية التحتية العلمية.
وتأسيسا على ذلك، يمكن بناء سياسة متوازنة عبر الجمع بين تمويل أساسي يضمن استمرار المختبرات والتكوين البحثي، وتمويل تنافسي للمشروعات العلمية، وبرامج خاصة لدعم المؤسسات التي تحتاج إلى تقوية قدراتها.
ومن هنا تصبح العدالة المجالية جزءاً من استراتيجية تطوير المعرفة الوطنية، وليس مسألة إدارية تتعلق بتوزيع الموارد فقط.
المحور السادس: العلوم الإنسانية والاجتماعية، الحلقة التي قد يغفلها التصور التقني للتنمية،
1. هل يمكن بناء سيادة علمية بدون معرفة المجتمع؟
لأنه عندما يُطرح موضوع السيادة العلمية، تتجه الأنظار غالباً إلى الذكاء الاصطناعي والهندسة والطب والطاقة والصناعات المتقدمة. وهذه مجالات استراتيجية لا خلاف حول أهميتها. لكن بناء القدرة العلمية الوطنية لا يكتمل من دون العلوم الإنسانية والاجتماعية التي تساعد على فهم المجتمع وتاريخه وتحولاته وعلاقته بمؤسساته. فالمشكلات الوطنية قد لا تكون تقنية في معظم الأحيان. فتدبير المياه، مثلاً، يحتاج إلى الهندسة والعلوم البيئية، لكنه يحتاج أيضاً إلى دراسة أنماط الاستهلاك، والتمثلات الاجتماعية للماء، والعلاقات بين السلطة والموارد، والتفاوتات المجالية، والسياسات التي تؤثر في توزيع هذه الثروة. ومعالجة البطالة تتطلب معرفة اقتصادية، لكنها تحتاج كذلك إلى دراسات سوسيولوجية حول الانتقال إلى سوق الشغل، وتوقعات الشباب، والتحولات المهنية، والتفاوتات بين الفئات والمجالات. كما أن فهم التحولات السياسية والثقافية والهوياتية يحتاج إلى البحث التاريخي والسوسيولوجي والأنثروبولوجي واللساني.
وبناء على ذلك، فإن العلوم الإنسانية والاجتماعية ليست مجرد تخصصات مكملة للعلوم التقنية، بل تمثل جزءاً من البنية المعرفية التي تحتاج إليها الدولة لفهم المشكلات وصياغة السياسات.
2. البحث العلمي في خدمة السياسات العمومية، ان من الوظائف التي يجب أن تتعزز في الجامعة المغربية، تطوير البحث العلمي الذي يساهم في تشخيص المشكلات العمومية وتقييم التدخلات الحكومية، بحيث يمكن للجامعات أن تسهم في هذا المجال عبر دراسات حول: أسباب الانقطاع عن الدراسة والفوارق في التحصيل. التحولات الديمغرافية وتغير بنية الأسرة.
الهجرة الداخلية والدولية وتأثيراتها الاجتماعية. العلاقة بين البطالة والتعليم والتفاوتات المجالية. الذاكرة التاريخية والمجالات الترابية والتحولات الثقافية. أثر السياسات الاجتماعية والاقتصادية في الفئات المختلفة.
وكذا التحولات التي تفرضها الرقمنة والذكاء الاصطناعي على المجتمع والعمل. ولا يعني ذلك تحويل الباحثين إلى موظفين لدى الإدارات أو إخضاع نتائج أبحاثهم للانتظارات السياسية. بل يعني بناء قنوات مؤسساتية تسمح للسياسات العمومية بالاستفادة من المعرفة الجامعية، مع الحفاظ على استقلالية البحث وحرية نتائجه. ويمكن تحقيق ذلك من خلال اتفاقيات بحثية واضحة، ومختبرات مشتركة، وبرامج لتمويل الدراسات التقييمية، وآليات لنشر نتائجها وإتاحتها لصناع القرار والرأي العام.
3. خطر اختزال البحث في مؤشرات النشر، فقد تحتاج الجامعات إلى مؤشرات لقياس أدائها العلمي، لكن المشكلة تظهر عندما تتحول المؤشرات الكمية إلى غاية في حد ذاتها. فعدد المقالات المنشورة أو الاستشهادات العلمية يمكن أن يساعد في فهم بعض جوانب الإنتاج البحثي، لكنه لا يقدم صورة كاملة عن جودة المعرفة أو أثرها. كما أن طبيعة النشر تختلف بين التخصصات؛ إذ لا تتبع الدراسات التاريخية واللغوية والاجتماعية بالضرورة نفس أنماط النشر المعتمدة في بعض التخصصات الطبية والهندسية. لذلك، فإن التقييم الجيد يجب أن يجمع بين جودة النشر، وأصالة النتائج، والتكوين البحثي، والتعاون العلمي، والإسهام في حل المشكلات، وتثمين التراث والموارد المعرفية الوطنية.
ويكتسب هذا التوازن أهمية خاصة في المغرب، حيث يمكن للبحث الجامعي أن يسهم في توثيق الأرشيفات، ودراسة التاريخ المحلي، وحفظ اللغات والتعبيرات الثقافية، وتحليل التحولات الاجتماعية التي قد لا تجد مكانها في أولويات السوق.
4. المعرفة الوطنية ليست ترفاً ثقافياً، يحتاج المغرب راهنيا إلى تطوير قدرته على إنتاج المعرفة حول ذاته، ولا يكتفي باستيراد المفاهيم والنماذج التفسيرية من الخارج. ولا يعني ذلك رفض المعرفة الدولية أو التقليل من قيمة التعاون الأكاديمي، بل يعني بناء قدرة وطنية على إنتاج البيانات، وتطوير الأسئلة البحثية، واختبار النماذج النظرية في ضوء الواقع المحلي، والمشاركة في النقاشات العلمية الدولية من موقع المنتج للمعرفة.
ومن هذا المنظور، فإن الاستثمار في التاريخ والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والاقتصاد والعلوم السياسية واللغات لا يعتبر منفصلاً عن التنمية..فالمجتمع الذي لا ينتج معرفة موثوقة عن تاريخه وتحولاته ومؤسساته يجد صعوبة كبيرة في تفسير مشكلاته وصياغة حلول ملائمة لها.
لذلك، فإن السيادة العلمية لا تعني امتلاك التكنولوجيا فقط، بل تعني أيضاً امتلاك القدرة على فهم المجتمع، وإنتاج المعرفة عن بنياته واستخدامها في اتخاذ القرارات.
المحور السابع: الجامعة المغربية في أفق 2031، من تدبير الإصلاح إلى بناء مشروع علمي وطني،
1. لماذا يحتاج المغرب إلى تعاقد وطني جديد للبحث العلمي؟ انه إذا كان البرنامج الحكومي يحدد التزامات تمتد إلى سنة 2031، فإن هذه الفترة ينبغي أن تشكل فرصة للانتقال من تكرار المبادئ العامة للإصلاح إلى تحديد النتائج العلمية والمؤسساتية التي يُراد تحقيقها.
ولا يعني اقتراح تعاقد وطني جديد أن المغرب يفتقر إلى المرجعيات القانونية والاستراتيجية؛ بل بالعكس، فهناك إطار قانوني للتعليم العالي والبحث العلمي، كما تتوفر البلاد على مؤسسات استشارية وتقارير وطنية تناولت قضايا الجامعة والبحث والابتكار. الا ان تعدد المرجعيات لا يضمن وحده انسجام السياسات، كما أن وجود التشخيصات لا يضمن ترجمتها إلى تمويل مستدام وبرامج قابلة للقياس.
وقد أشار المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، في تصوره بشأن مشروع القانون المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، إلى الحاجة إلى وضوح أكبر في الرؤية الاستراتيجية وفي تحديد توجهات السياسة العمومية الخاصة بالمنظومة.
ومن هنا، فإن التحدي المطروح أمام الحكومة هو تحويل التوجهات القانونية والاستراتيجية إلى تعاقد تنفيذي يحدد ما ينبغي تحقيقه، ومن يتحمل مسؤولية تحقيقه، وما الموارد اللازمة لذلك، وكيف يمكن التحقق من النتائج.
2. خمسة التزامات ينبغي أن يقوم عليها هذا التعاقد
أولاً: التزام مالي واضح، حيث ينبغي تحديد هدف وطني للإنفاق على البحث والتطوير، وجدول زمني لبلوغه، مع نشر البيانات المتعلقة بمصادر التمويل وتوزيعه بين القطاعات والمؤسسات..ولا يكفي في هذا الاطار إعلان زيادة عامة في الميزانية؛ بل يجب التمييز بين الاعتمادات المبرمجة والمبالغ المصروفة فعلياً، وبين التمويل الموجه إلى التسيير والتمويل المخصص للمشروعات البحثية.
ثانياً: التزام مؤسساتي، حيث يتعين تطوير قدرات الجامعات والمختبرات ومراكز البحث، وتحسين شروط اشتغال الباحثين، وتوفير برامج مستقرة لتمويل الدكتوراه والبحث الأساسي والتطبيقي. كما ينبغي وضع سياسة واضحة لتطوير التجهيزات العلمية المشتركة، حتى لا تضطر كل مؤسسة إلى تحمل تكاليف فردية باهظة.
ثالثاً: التزام استراتيجي، حيث ينبغي تحديد أولويات وطنية للبحث العلمي في مجالات الماء والطاقة والصحة والأمن الغذائي والصناعة والذكاء الاصطناعي، مع المحافظة على مساحة كافية للبحث الأساسي والعلوم الإنسانية والاجتماعية. كما يجب أن تُحدد هذه الأولويات بالتشاور مع الجامعات والباحثين والقطاعات المستفيدة، استناداً إلى تشخيص علمي للاحتياجات الوطنية.
رابعاً: التزام مجالي، انه يتعين وضع خريطة وطنية للقدرات البحثية، تحدد الإمكانات القائمة والفوارق بين الجامعات والجهات، ثم بعد ذلك، اعتماد إجراءات لتقوية المؤسسات التي تحتاج إلى دعم إضافي. ولا ينبغي أن يؤدي تمويل المشروعات حسب المنافسة إلى تكريس التفاوتات القائمة؛ لذلك من الضروري الجمع بين التمويل التنافسي والتمويل الأساسي الذي يضمن استمرار العمل العلمي.
خامساً: التزام بالتقييم والمساءلة، انه ينبغي نشر تقرير سنوي عن وضعية البحث العلمي، يتضمن بيانات التمويل والإنتاج العلمي والتكوين البحثي والتعاون الدولي والابتكار، إلى جانب تقييم نوعي لمدى إسهام الأبحاث في معالجة المشكلات الوطنية. ويجب أن يكون هذا التقييم مستقلاً عن الجهات المنفذة، وأن تكون نتائجه متاحة للبرلمان والجامعات والباحثين والرأي العام.
إن اعتماد هذه الالتزامات من شأنه أن يجعل السياسة البحثية قابلة للتتبع والمراجعة، بدلاً من أن تبقى عبارة عن مجموعة من التوجهات العامة التي يصعب قياس أثرها.
المحور الثامن: نحو جامعة مغربية تصنع المستقبل ولا تكتفي بمواكبته،
إن السؤال الذي يطرحه البرنامج الحكومي 2026–2031، يتجاوز حدود هذه الولاية الحكومية. فالمغرب الذي يطمح إلى تعزيز موقعه الصناعي والاقتصادي، وتطوير قدراته الرقمية، ومواجهة التغيرات المناخية، وتحسين خدماته الصحية والاجتماعية، يحتاج إلى قاعدة علمية قادرة على مواكبة هذه التحولات والمساهمة في توجيهها. ولا يمكن بناء هذه القاعدة عبر استيراد التكنولوجيا وحده، أو عبر توسيع العرض التكويني، أو عبر تغيير القوانين الجامعية فقط..إنها تحتاج إلى مشروع وطني طويل الأمد، تتكامل فيه الجامعة مع مؤسسات البحث والقطاعات الاقتصادية والإدارات العمومية، وتتوفر له شروط التمويل والاستقلالية والتقييم.
1. الجامعة باعتبارها استثماراً في السيادة الوطنية، تتجلى أهمية البحث العلمي في قدرته على توسيع هامش الاختيار أمام الدولة، فكلما امتلك المغرب قاعدة علمية قوية في مجالات الماء والطاقة والصحة والزراعة والصناعة، ازدادت قدرته على تطوير حلول تتناسب مع احتياجاته، وتكييف التكنولوجيا المستوردة مع ظروفه، والتفاوض من موقع أقوى في الشراكات الدولية. ولا يعني ذلك أن كل دولة ينبغي أن تنتج جميع التقنيات التي تحتاج إليها، بل أن تكون قادرة على تحديد احتياجاتها، وفهم الخيارات المتاحة، وتطوير القدرات التي تمنحها استقلالية استراتيجية أكبر.
ومن هنا، فإن الاستثمار في البحث العلمي ينبغي أن يُقرأ ضمن الاستثمار في السيادة الوطنية، إلى جانب الاستثمار في البنية التحتية والطاقة والموارد البشرية.
2. الجامعة باعتبارها شريكاً في تقييم الدولة، تتمثل إحدى الوظائف التي يمكن أن تؤديها الجامعة في تطوير قدرة الدولة على تقييم سياساتها. فالإدارة تمتلك بيانات مهمة، والحكومة تحدد الأولويات، لكن الجامعات يمكن أن توفر أدوات التحليل العلمي المستقل، وأن تختبر الفرضيات التي تقوم عليها القرارات العمومية، وأن تقيس آثارها على الفئات والمجالات المختلفة. كما يمكن لهذا التعاون أن يتحول إلى برامج بحثية منتظمة، تتناول فعالية السياسات التعليمية، وأثر برامج التشغيل، ونتائج الاستثمار العمومي، والتفاوتات المجالية، والتحولات الديمغرافية. ويقتضي ذلك بناء علاقة مؤسساتية واضحة بين الإدارات والجامعات، تحترم استقلالية البحث وتضمن في الوقت نفسه استفادة السياسات العمومية من نتائجه.
3. من الجامعة المستهلكة للمعرفة إلى الجامعة المنتجة لها، إن بناء جامعة منتجة للمعرفة لا يعني الانغلاق عن العالم، بل يعني تعزيز القدرة على المشاركة الفعلية في الإنتاج العلمي الدولي. وهذا يتطلب تحسين شروط البحث والنشر والتعاون الأكاديمي، وتشجيع الباحثين الشباب، وتطوير التكوين المنهجي، وإتاحة قواعد البيانات والمصادر العلمية، وتوسيع الشراكات بين الجامعات المغربية والمؤسسات البحثية الدولية.
كما يتطلب بناء بيئة جامعية تسمح بتطوير الأفكار الجديدة، وتحترم حرية النقاش العلمي، وتوفر للباحثين شروطاً مهنية ومؤسساتية مستقرة.
ولا ينبغي أن تُقاس هذه القدرة بمؤشر واحد؛ بل من خلال مجموعة من المعايير التي تشمل جودة الأبحاث، واستدامة المشاريع، والتكوين البحثي، والتعاون الدولي، والابتكار، والإسهام في فهم المشكلات الوطنية وحلها.
في الختام، هل وضع البرنامج الحكومي البحث العلمي في قلب المشروع الوطني؟ تقودنا هذه القراءة إلى التمييز بين ثلاثة مستويات يجب عدم الخلط بينها.
الأول، هو الاعتراف بأهمية الجامعة والبحث العلمي. وهو اعتراف يندرج ضمن التوجهات العامة لتطوير التعليم العالي والتكنولوجيا والابتكار.
الثاني، هو بناء سياسة عمومية متكاملة للبحث العلمي. ويتطلب ذلك تحديد الأهداف، وتعبئة الموارد، وتطوير المؤسسات، وضمان استقلالية البحث، وتنسيق البرامج بين الجامعات والقطاعات الحكومية.
الثالث، وهو جعل المعرفة أساساً لإعداد السياسات العمومية وتقييمها. ويتطلب ذلك أن تستند الاختيارات الحكومية إلى الأدلة، وأن تخضع النتائج لتقييم مستقل، وأن يُتاح للباحثين والمواطنين الاطلاع على المعطيات التي تسمح بمساءلة الأداء العمومي.
إن الخلاصة الأساسية لهذه المقاربة هي أن الحكم على موقع البحث العلمي في البرنامج الحكومي 2026–2031 يجب أن يستند إلى مدى تحوله من توجه معلن إلى سياسة ممولة، ومن سياسة ممولة إلى نتائج قابلة للتحقق، ومن نتائج قابلة للتحقق إلى قدرة وطنية مستدامة على إنتاج المعرفة.
ويكتسب هذا الاستنتاج أهمية خاصة في ظل تصور المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي بشأن مشروع القانون المنظم للقطاع، الذي أكد أهمية الرؤية الاستراتيجية وطرح ملاحظات تتعلق بوظائف التعليم العالي وتطوير البحث والابتكار وتمويل المنظومة وتقييمها.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام الحكومة لا يتمثل في تنفيذ برنامج يمتد إلى سنة 2031 فقط، بل في وضع أسس سياسة علمية تتجاوز حدود الولاية الحكومية، وتضمن استمرارية الاستثمار في المعرفة.
فالجامعة لا يمكن أن تحقق تحولاً عميقاً إذا تغيرت أولوياتها مع كل برنامج حكومي، أو إذا ظلت مشاريعها البحثية رهينة التمويل القصير الأمد، أو إذا غابت عنها آليات التقييم المستقل. إنها تحتاج إلى رؤية وطنية مستقرة، وإلى موارد مستدامة، وإلى مؤسسات قادرة على العمل، وإلى علاقة متوازنة بين استقلالية البحث والمساءلة عن النتائج.
ومن هنا، السؤال الهام القابل للنقاش هو: هل يتعامل المغرب مع البحث العلمي باعتباره قطاعاً ضمن قطاعات الدولة، أم باعتباره بنية استراتيجية تُبنى عليها قرارات الدولة في الاقتصاد والتعليم والصحة والماء والطاقة والثقافة؟
ان الجواب عن هذا السؤال لن تحدده صياغة البرنامج الحكومي فقط، بل ستحدده القرارات المالية والمؤسساتية التي ستُتخذ خلال السنوات المقبلة، ومدى استعداد الحكومة لجعل المعرفة العلمية جزءاً من آليات صنع القرار وتقييمه.
وبهذا المعنى، فإن مستقبل الجامعة المغربية ليس شأناً خاصاً بالأساتذة الباحثين أو الطلبة فقط، بل قضية وطنية تتعلق بقدرة المغرب على إنتاج المعرفة، وتطوير اقتصاده، وفهم مجتمعه، وصناعة مستقبله.






