انتهت الانتخابات، وتوزعت المقاعد، وتشكلت الحكومة، وبقي سؤال صغير، لكنه محرج، ينتظر جوابا من بعض الوزراء السابقين الذين نجحوا في العودة إلى البرلمان، بينما أخفقت أحزابهم في حجز مكان داخل الأغلبية الحكومية: هل سنراهم هذه المرة مواظبين على حضور جلسات مجلس النواب، أم أن الجلوس تحت قبة البرلمان، بعيدا عن أضواء الوزارة وبروتوكولاتها، لن يكون مغريا بما يكفي؟
ليس عيبا أن يطمح سياسي إلى منصب وزاري، ولا جريمة أن يحلم بالعودة إلى مكتب فسيح، وسيارة رسمية، ومستشارين، ومواعيد تضبطها كتابة خاصة. لكن العيب أن يصبح البرلمان مجرد قاعة انتظار للاستوزار، وأن تتحول أصوات المواطنين إلى تذاكر عبور نحو الحكومة، فإذا أُغلقت أبوابها، فقد المقعد النيابي بعضا من بريقه في عيون أصحابه.
لقد خاض عدد من الوزراء السابقين الانتخابات التشريعية، ونزلوا إلى الدوائر التي اعتادوا زيارتها في المواسم الانتخابية، وخاطبوا الساكنة عن التنمية والتشغيل والصحة والتعليم، وطلبوا تجديد الثقة، فاستجاب لهم الناخبون ومنحوهم مقاعد في المؤسسة التشريعية. لكن الحسابات السياسية لا تسير دائما وفق ما يشتهيه أصحابها. فقد يجد المرء نفسه منتصرا في دائرته، وخاسرا في حسابات تشكيل الحكومة، ويكتشف أن الطريق الذي ظنه معبدا نحو الوزارة انتهى به إلى مقاعد المعارضة.
وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي.
فالمواطن الذي وضع ورقة التصويت في الصندوق لم يكن يصوت على اسم وزير في حكومة لم تتشكل بعد، بل كان يختار نائبا ليمثله خمس سنوات. لم يمنحه صوته مشروطا بحصوله على حقيبة وزارية، ولم يوقع معه عقدا ينتهي بمجرد انتقال حزبه إلى المعارضة. ولذلك فإن السؤال الذي يحق له طرحه اليوم هو: أين سنجدكم بعدما انتهت الانتخابات وتبخرت احتمالات الاستوزار؟
هل سنراكم في الجلسات العامة، وفي اجتماعات اللجان، تناقشون القوانين وتساءلون الحكومة وتدافعون عن الملفات التي حملتموها إلى الناس خلال الحملة الانتخابية؟ هل ستعودون إلى دوائركم للإنصات إلى مشاكل الساكنة، أم أن الطريق إليها سيصبح أطول بعدما فقدتم امتيازات المنصب الوزاري؟
ثم إن المعارضة ليست عقوبة، ولا منفى سياسيا، ولا مقعدا من الدرجة الثانية. إنها مسؤولية دستورية لا تقل أهمية عن المشاركة في الحكومة، بل قد تتطلب من الجدية والشجاعة والاستقلالية ما لا تتطلبه بعض المناصب التنفيذية. والمعارضة الحقيقية لا تُقاس بارتفاع الأصوات أمام الكاميرات، وإنما بالعمل التشريعي والرقابي، وبالقدرة على مساءلة الحكومة وتقديم البدائل.
ولذلك سيكون مثيرا للاهتمام أن نتابع أداء هؤلاء الوزراء السابقين، لا أن نحاكم نواياهم مسبقا. فمن حقهم أن يثبتوا أنهم دخلوا البرلمان عن اقتناع بمهمة التمثيل، لا باعتباره طريقاً احتياطيا نحو الوزارة. ومن حق المواطنين، في المقابل، أن يعرفوا عدد الجلسات التي حضروها، والأسئلة التي طرحوها، والمبادرات التشريعية التي ساهموا فيها، والملفات التي دافعوا عنها.
والأكثر إحراجا أن بعض من اعتادوا بالأمس الجلوس في مقاعد الحكومة، والإجابة عن أسئلة النواب، سيجدون أنفسهم اليوم مطالبين بتوجيه الأسئلة إلى زملاء الأمس. فهل يستطيعون ممارسة الرقابة بالصرامة نفسها التي كانوا يطالبون بها المعارضة عندما كانوا وزراء؟ وهل سيقبلون سماع الأجوبة الحكومية التي طالما قدموا مثلها للبرلمانيين؟
لا أحد يطالب الوزير السابق بأن يعتذر لأنه لم يعد وزيرا، ولا بأن يتخلى عن طموحه السياسي. المطلوب فقط أن يتذكر أن المقعد البرلماني ليس جائزة ترضية، وأن المواطن الذي منحه ثقته لم ينتخبه لكي يقضي خمس سنوات يتحسر على حقيبة ضائعة، أو ينتظر تعديلا حكومياً قد يعيده إلى دائرة الضوء.
أما إذا اختار بعضهم الغياب أو الاكتفاء بالحضور المناسباتي، فسيكون عليهم أن يشرحوا للساكنة لماذا كانوا قادرين على قطع مئات الكيلومترات وطرق أبواب البيوت خلال الحملة الانتخابية، ثم عجزوا عن قطع المسافة إلى البرلمان بعد إعلان النتائج.
لقد انتهى زمن الوعود الانتخابية، وبدأ زمن الوفاء بها. وبين كرسي الوزارة ومقعد البرلمان فرق كبير في الامتيازات، لكنه لا ينبغي أن يكون فرقا في الإحساس بالمسؤولية.
ويبقى السؤال الذي سنتركه مفتوحاً أمام الوزراء السابقين: هل انتخبكم المواطنون لتكونوا نواباً عنهم، أم أنكم كنتم تنتظرون منهم أن يعيدوكم وزراء؟






