كان سقراط لا يثق بالكتابة. ففي محاورة «فايدروس» لأفلاطون يشبّهها بفنّ الرسم، حيث كائنات اللوحة جامدة بلا حياة، وتعني الشيء نفسه للجميع، فإن سألتَها سؤالا خاصّا لزمت الصمت المهيب. كذلك هو الكتاب، إنّه لا يتفاعل، لا يجيب عن أي سؤال، ولا يدافع عن نفسه أمام سوء الفهم. لذلك خشي سقراط أن تقتل الكتابةُ الحوار الحيّ الذي يلد الأفكار.
غير أنّ التاريخ ردّ على هذا الاعتراض منذ اللحظة الأولى. فنحن لا نعرف سقراط إلّا لأنّ تلاميذه كتبوا. وما توجس منه سقراط صار أثمن ما تملكه البشرية؛ فالكلمة المكتوبة تصمت حقًّا، لكنها تصمت في انتظار من يُنطقها. والقارئ هو ذاك الذي قد يأتي بعد قرون، فيمنح صوته لرجل ميّت كي يتكلّم من جديد. ليست الكتابة إذن قتلًا للحوار، بل بعثًا دائمًا له.
وقد أدرك الكبار ذلك. ففي 10 دجنبر 1513 كتب مكيافيلي، المنفيّ في ضيعته، إلى صديقه فيتوري أنه إذا حلّ المساء خلع ملابسه البسيطة وارتدى ثياب الأمراء، ثم دخل «بلاطات القدماء» فاستقبلوه بمودّة. هناك يسألهم عن أسباب أفعالهم فيجيبونه بلطف، وفي تلك الساعات، يقول، لا يخشى الفقر ولا يهاب الموت. ومن تلك الحوارات وُلد كتاب «الأمير». وبعده كتب ديكارت في «مقالة في المنهج» (1637) أنّ قراءة الكتب الجيّدة أشبه بـ«حديث مع أفضل أشخاص القرون الماضية». ثم جاء بروست في «عن القراءة» (1905) فدقّق التشبيه قائلا: ليست القراءة حديثًا كسائر الأحاديث، لأننا نتلقّى فيها فكر غيرنا ونحن في عزلتنا، محتفظين بكامل قوّتنا الذهنية. ولذلك سمّاها صداقة صافية، خالية من أعباء الصداقة ومجاملاتها.
هكذا تصير القراءة حوارًا يتخطّى الموت من الجهتين؛ حيث الموتى يكلّموننا، ثم نردّ عليهم بفهمنا واعتراضنا وتأويلنا، ومن ثم يستمر حوار العقول العابر للعصور والثقافات.
إنّ الشعب الذي يكفّ عن القراءة لا يخسر مجرد معلومات، بل يقطع خيط الحوار الذي يصله بكبار عقول البشرية. فيجد نفسه بلا رصيد، يبدأ كلّ شيء من الصفر، ويعيد ارتكاب الأخطاء كلها دون أن يتعلم شيئا.






