سياسة واقتصاد

التصريح الحكومي: أسئلة الإرادة السياسية والموارد وحدود التنفيذ.. تأملات أولية

مصطفى المنوزي (رئيس أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي)

يحمل التصريح الحكومي ، عند تفريغه ، توجهًا يستحق المناقشة الجدية، يقوم على الانتقال من توسيع التغطية إلى جودة الخدمة، ومن حجم الاستثمار إلى مردوديته، ومن تعدد التدخلات إلى تكامل آثارها ؛ ويجمع بين توطيد دولة الحق والقانون، ومحاربة الفساد والريع، وتحسين شروط العيش، وإدماج الشباب، وتعزيز السيادة الاستراتيجية، وبناء اقتصاد قادر على تمويل الطموح الاجتماعي ؛ غير أن اتساع هذه التعهدات يفتح أسئلة حول الإرادة السياسية التي تسندها، ومدى تناغمها مع السياسة العامة للدولة، والموارد المتاحة لتفعيلها.

ويقتضي الإنصاف المنهجي التعامل مع الوثيقة باعتبارها تصريحًا حكوميًا يمثل مرحلة أولى لإعلان التوجهات والالتزامات، فلا نحملها وحدها تفاصيل برنامج تنفيذي مكتمل، وعلى الحالة ، لا نعتبر كل تفصيل غائب دليلًا على انعدام التصور ؛ لكن طبيعتها هذه لا تعفيها من توضيح الاختيارات الكبرى ومنطق تمويلها؛ إذ ينبغي أن يستطيع البرلمان والمواطنون فهم ما تعتزم الحكومة تغييره، وما ستواصله، وما ستراجعه، وكيف ستتحمل مسؤولية ذلك.

من هنا، تبدأ المساءلة باستجلاء الإرادة السياسية. فالتصريح يعترف بأن ثمار التقدم لم تصل بالقدر نفسه إلى مختلف الفئات والمجالات، ويقر باستمرار انتظارات الشغل والقدرة الشرائية وجودة الخدمات ؛ وهو اعتراف مهم، يحتاج إلى تحديد أسباب الاختلال: هل تعود إلى ضعف الموارد، أم سوء توزيعها، أم تعثر التنفيذ، أم استمرار امتيازات تحد من تكافؤ الفرص؟ ذلك أن اختلاف التشخيص يغير طبيعة العلاج، وقد يؤدي تمويل الآليات نفسها، دون مراجعة قواعد اشتغالها، إلى إعادة إنتاج النتائج نفسها ؛ وهنا تتضح الإرادة السياسية عند المفاضلة بين المصالح وتوزيع كلفة الإصلاح ؛ فما الذي ستفعله الحكومة حين تتعارض مراجعة امتيازات قائمة مع مصالح قادرة على التأثير ؟ وكيف ستوازن بين التحفيز الاقتصادي والعدالة الجبائية، وبين الاستثمار الكبير والحاجيات الاجتماعية المستعجلة، وبين تشجيع التصدير وحماية تموين السوق الوطنية؟ إن التعهد بمحاربة الريع والفساد يكتسب معناه من الاستعداد لمواجهة هذه الأسئلة وترتيب آثار عملية عليها.

كما يستدعي التصريح استيضاح العلاقة بين المبادرة الحكومية والسياسة العامة للدولة ؛ فالتناغم بينهما يقتضي وضوحًا في الأدوار وفي مجال القرار: ما هامش الاختيار الذي ستتحمل الحكومة مسؤوليته ؟ وكيف ستترجم التوجهات العامة إلى كناش سياسات تعكس التزامات أغلبيتها؟ وكيف ستدبر التوتر بين أهداف مشروعة تتنافس على الموارد؟ إن تحديد هذا الهامش ضروري للمحاسبة؛ لأن المسؤولية تصبح ملتبسة عندما يصعب تمييز مصدر الاختيار والجهة المكلفة بتنفيذه.

وفي هذا الإطار، يحمل تقديم دولة الحق والقانون والنزاهة في ترتيب الأولويات دلالة إيجابية ؛ غير أن ترتيب العرض يحتاج إلى ترجمة في توزيع الموارد والوقت والقدرة على الحسم. فالأولوية الفعلية هي التي تحظى بالتنفيذ والحماية عند اشتداد الإكراهات. ولذلك ينتظر توضيح ما سيبدأ أولًا، وما يتوقف على إصلاح سابق، وما سيُحمى إذا جاءت الإيرادات أقل من المتوقع.

ومن منظور نسقي كلياني، تستدعي حماية الماء والعلاج والقدرة الشرائية والاستمرار في الدراسة تدخلًا مبكرًا، لأن أضرار التأجيل فيها تتراكم ؛ ويجب أن تقترن هذه الاستجابة بتفعيل ضمانات النزاهة والشفافية والولوج إلى المعلومات والتظلم ؛ فهي تحمي الموارد الاجتماعية وعدالة الاستفادة منها. كما يحتاج إدماج الشباب إلى مسار متصل يجمع المدرسة والتوجيه والتكوين والعمل والنقل والسكن ؛ فالتكوين لا يضمن وحده التشغيل، وقد تحول كلفة التنقل والكراء دون الاستفادة الفعلية من فرصة عمل متاحة ؛ وتبقى الموارد المالية أحد أهم مداخل اختبار جدية هذه الاختيارات. فالتصريح يجمع بين توسيع الدعم وتحسين نوعي للمعاشات والخدمات والاستثمار، وبين ضبط العجز وخفض المديونية. ولا يمكن الحكم باستحالة الجمع بينها، كما لا يمكن افتراض تحققها دون استيضاح مصادر التمويل. هل ستُعبَّأ الموارد عبر تحسين التحصيل ومراجعة الإعفاءات، أم بإعادة ترتيب الإنفاق، أم بزيادة مساهمة المؤسسات العمومية، أم بالاقتراض والشراكات؟ ومن سيتحمل العبء، وما الفئات التي ستُحمى منه؟

ولا يُنتظر في هذه المرحلة تسعير تفصيلي لكل إجراء، لكن يُنتظر بيان منطق التمويل، مع الالتزام ببرمجة مالية متعددة السنوات. ويجب أن تميز هذه البرمجة بين الاعتمادات القائمة والكلفة الإضافية، وبين الاستثمار والنفقات المتكررة، وأن تكشف حجم الالتزامات المحمولة على الميزانية والجهات والمؤسسات العمومية وصناديق الحماية الاجتماعية. فالدعم والمعاشات والخدمات تحتاج إلى موارد دائمة، والشراكات والاقتراض يرتبان بدورهما تكاليف مستقبلية ينبغي إظهارها.

كما أن الموارد تشمل البشر والمعرفة والقدرة المؤسساتية على الإنجاز ؛ لأن بناء مستشفى يحتاج إلى مهنيين وتجهيز وصيانة وأدوية، وتحسين المدرسة يحتاج إلى تأطير تربوي وظروف تعلم مناسبة، وإنجاز المشاريع يحتاج إلى إدارة قادرة على الدراسة والتعاقد والتتبع. ولذلك ينبغي أن تقترن التعبئة المالية بمعالجة اختناقات التنفيذ، وتوضيح الاختصاصات، وتوزيع الكفاءات ترابيًا.

وفي مجال العدالة، يشكل التعهد بالولوج العادل والأمن القانوني أساسًا مهمًا، لكنه يحتاج إلى امتداد أوضح نحو تقديم المساعدة القضائية وتنفيذ الأحكام وجودة التشريع وحقوق الدفاع وكذلك ضمانات الرقمنة ؛ فالعدالة تؤثر في الاستثمار والأسرة والعمل ومواجهة الفساد، ومن ثم فإن تقويتها شرط مشترك لنجاح بقية الأوراش. وينطبق المنطق نفسه على محاربة الفساد: فالتجريم يحتاج إلى قابلية الكشف والتحقيق وترتيب الجزاء، وإلى حماية التبليغ المشروع ومتابعة نتائج الرقابة.

أما السيادة المائية والغذائية والطاقية والرقمية، فتتطلب كشف الترابط بين الاختيارات وكلفاتها ؛ فتوسيع العرض المائي ينبغي أن يقترن بضبط الطلب وحماية التوازنات البيئية، وتطوير الإنتاج يحتاج إلى تقييم استعمال الماء والطاقة، وإن التحول الرقمي يستدعي حماية البيانات وحق المواطن في فهم القرار وتصحيح الخطأ والطعن فيه ؛ وتقاس قيمة هذه الأوراش بقدرتها على تقليص الهشاشة والتبعية وتحسين شروط العيش.

وعليه، فإن القراءة النقدية للتصريح تقتضي إخضاع وعوده وفرضيات التعثر معًا للاختبار، دون تسليم مسبق بالنجاح أو بالفشل. والمطلوب الآن توضيح الإرادة السياسية، وهامش المبادرة الحكومية، ومبادئ تعبئة الموارد وتوزيع الأعباء، ثم تحديد آجال تقديم أدوات التفعيل والتقييم. فمصداقية التصريح تبدأ من وضوح الاختيار، وتتأكد بتوافر شروط الإنجاز، وتُختبر في الأثر الذي يلمسه المواطن وفي استعداد الحكومة لتصحيح ما تكشف التجربة قصوره.