سياسة واقتصاد

جوهر القضية ليس من سرب ولكن ماذا حصل؟

جلال المخفي (صحفي)

في عالم السياسة والإعلام، غالبا ما يتحول مسار النقاش عقب كل تسريب وثائق مدوٍّ إلى دوامة من التساؤلات الجانبية: من الذي سرب؟ وما هي دوافعه؟ ولماذا في هذا التوقيت بالذات؟ غير أن الممارسات الصحافية الرصينة والتقاليد الديمقراطية العريقة تؤكد دوما على قاعدة ذهبية واحدة: جوهر القضية ليس في هوية المُسرِّب، بل في مضمون التسريب وتداعياته على المصلحة العامة. 

 

تأتي قضية إعفاء الوزيرة ماديحة خيير، بعد أقل من 48 ساعة فقط على تعيينها وزيرة منتدبة مكلفة بالتكوين المهني والتأهيل في التعديل الحكومي الأخير، لتضع الجسم الإعلامي والسياسي أمام اختبار حقيقي حول كيفية التعاطي مع الأزمات الناتجة عن تدفق المعلومات غير الرسمية. 

 

إن محاولة حصر النقاش في "خلفيات التسريب" والبحث عن "صراعات الأجنحة" أو "تصفية الحسابات السياسية" هي خطوة تساهم، بقصد أو بدون قصد، في تحويل الأنظار عن الأسئلة الجوهرية. الصحافة المهنية لا تلعب دور المحقق الجنائي الذي يبحث عن نوايا المصادر؛ بل هي سلطة رقابية تتلقى الوثيقة، وتخضعها لمجهر التحقق والتدقيق، فإذا ثبتت صحتها، تصبح القضية ملكا للرأي العام، ويتحول التركيز فورا نحو المضمون والمحاسبة. 

 

السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرحه الإعلام اليوم هو: ماذا حدث بالضبط؟ وكيف عبرت هذه الملفات والشبهات، التي تداولتها المنابر بعد ساعات من التعيين، دون أن ترصدها رادارات الأجهزة المكلفة بالتدقيق والتحري القبلي؟ 

 

في الأنظمة السياسية التي تحترم عقول مواطنيها، تخضع الأسماء المقترحة للمناصب الوزارية لما يُعرف بـ (Vetting Process) أو "مسار الغربلة الصارم". وهي آلية تشمل فحص السيرة الذاتية، الذمة المالية، السوابق القضائية، وحتى التقارير الطبية والملفات الشخصية التي قد تؤثر على الأهلية السياسية والأخلاقية للمسؤول. وصول شخصية إلى كرسي المسؤولية الحكومية، ثم الإطاحة بها في ظرف يومين بسبب وثائق كانت متاحة أو مخبأة في أدراج ما، يعكس خللا واضحا في منظومة الانتقاء والتحري، وهو الخلل الذي يستوجب المتابعة والمساءلة. 

 

وعليه، فإن المسؤولية السياسية هنا تقع بشكل مباشر على عاتق رئاسة الحكومة والأحزاب المشكلة للتحالف الحكومي. إن اختيار النخب لتدبير الشأن العام لا يجب أن يخضع للمحاصصة الضيقة أو العواطف، بل لمعايير صارمة تضمن مناعة الحكومة ضد أي هزات ارتدادية قد تسببها "حقائق الماضي". 

 

إن الإعفاء الفوري والسريع للوزيرة المعنية، وإن كان خطوة شجاعة لتطويق الأزمة وتفادي نزيف الثقة في المؤسسات، فإنه لا يعفي من ضرورة فتح نقاش مؤسساتي شفاف حول سبل تطوير آليات التدقيق القبلي. 

 

ختاما، يجب أن نتذكر دائما أن "المُسرِّب" قد تكون له مآرب شخصية أو سياسية، وهذا أمر طبيعي في كواليس السياسة. لكن "المعلومة الصحيحة" بمجرد خروجها إلى العلن، تصبح حقا أصيلا للمواطن. والواجب المهني يفرض على الصحافي ألا يقف محتارا أمام النوايا، بل أن يتابع القضية في جوهرها: كفاءة المسؤولين، نزاهة التدبير، وحصانة المؤسسات السياسية.