سياسة واقتصاد

باحث: الخطاب الملكي يؤسس لـ"مغرب الندية" ويحول الاعتزاز بالوطن إلى التزام ومسؤولية

كفى بريس
أكد جواد مامون، الباحث في القانون العام والعلوم السياسية ورئيس تحرير مجلة "عين على القانون"، أن الخطاب الملكي الموجه إلى البرلمان يتجاوز كونه بروتوكولا رسمياً ليصبح وثيقة مرجعية واستراتيجية رسمت بوضوح معالم "مغرب المسؤولية والندية"، مبرزاً أن المملكة انتقلت رسمياً في عقيدتها الدبلوماسية من موقع "رد الفعل" إلى موقع المبادرة وصياغة القرار الإقليمي والدولي، عبر رفضها الصارم للحلول الجاهزة ولعب دور الحارس الأمني للحدود، ومقترحةً في المقابل وثيقة استراتيجية تؤسس لشراكات عادلة تربط بين الأمن والتنمية المشتركة.

وأوضح مامون في حوار صحفي أن إعادة استحضار المرجعية الهوياتية والامتداد التاريخي للملكية وإمارة المؤمنين في الخطاب الملكي يمثلان إعادة صياغة سوسيولوجية لمفهوم المواطنة والاعتزاز بالوطن؛ حيث جرى نقل هذا الاعتزاز من دائرة التباهي السلبي إلى محدد أخلاقي وسياسي يربط الانتماء بالمسؤولية، ويحث على تحويل الرأسمال اللامادي للهوية الوطنية إلى حافز مباشر لإنتاج النجاعة السياسية والالتزام الوطني.

وأضاف الباحث في العلوم السياسية أن الدعوة الملكية لإطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى تعكس تحولاً جذرياً نحو تكريس السيادة الاستراتيجية الشاملة في مجالات المياه والطاقة والغذاء والذكاء الاصطناعي، وهو ما يستوجب من الفاعلين السياسيين والمدبرين الإسراع بتوفير إطار عمل مرن لتأمين الاحتياطات الاستراتيجية الوطنية ومواكبة التنافسية التكنولوجية الدولية وسط ظروف عالمية متقلبة جيو-اقتصادياً.

وفي معرض تشخيصه للواقع الترابي، شدد مامون على أن نقد الخطاب الملكي الصارم لتعثرات تنزيل اللامركزية واللاتمركز الإداري يمثل قطيعة حاسمة مع التماطل الإداري، ويدعو للتفعيل العملي والمباشر لنقل الاختصاصات الحقيقية والموارد المالية والبشرية الملائمة من المركز إلى الجهات، مع تنظيم العلاقة بين الطرفين عبر آليات التعاقد والتنسيق لضمان استقلالية القرار والتنفيذ الميداني.

وحول التوجيهات المتعلقة بالقطاع الخاص والشباب، أبرز المتحدث أن الخطاب الملكي يدفع نحو مراجعة الأدوار الكلاسيكية ليرتقي الاستثمار الخاص إلى فاعل استراتيجي ومبادر في التشغيل والتصدير بدل الاعتماد الكلي على الدولة، بالتوازي مع وضع الشباب في صدارة السياسات العمومية المندمجة للارتقاء الاجتماعي وتحصين مبدأ الثقة في المؤسسات الوطنية.

وعلى الصعيد الخارجي وملف الهجرة الشائك، أشار الباحث إلى أن المغرب أعلن بوضوح تجاوز النموذج الحالي للتعاون الدبلوماسي مع الشركاء وعلى رأسهم إسبانيا، رافضاً أي مقتضيات خارجية تحمي قنوات الهجرة غير الشرعية أو تُستغل للضغط والابتزاز السياسي، ومؤكداً أن الشراكات الدولية بالنسبة للمملكة هي اختيار سيادي واستراتيجي يقوم على التنافسية والندية وتنفيذ الالتزامات المتبادلة.

واختتم مامون تحليله بالإشارة إلى أن التحدي الأبرز أمام الحكومة المرتقبة يكمن في سرعة ونجاعة التنفيذ الميداني لمضامين الخطاب، والقطع النهائي مع البطء الإداري لتفعيل الحكامة الترابية والسيادة الاستراتيجية، مبرزاً أن التذكير الملكي بأخلاقيات الانتداب البرلماني يضع نواب الأمة أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية تتطلب الارتقاء بالأداء التشريعي ليكون في مستوى الرهانات الكبرى للبلاد.