سياسة واقتصاد

بين صراخ بنجلون و"تخشع" فيليبي.. دراما الكاميرات تحت سقفين!.!.!

ميمونة الحاج داهي

في غضون ساعات قليلة عشنا كمغاربة مأدبة بصرية دسمة وزعت فيها الأدوار بعناية فائقة بين مسرحيتين مختلفتين، يفصل بينهما بضع مئات من الكيلومترات، وكثير من الدهاء السياسي...المسرحية الأولى دارت تحت سقف قبة البرلمان بالرباط، حيث شهدنا العرض التشريعي السنوي لاستعراض الحناجر، والمسرحية الثانية جرت تحت سماء سبتة، حيث قُدِّم لنا درس متقدم في "التخشع الدبلوماسي" "الطانز".

المشهد الأول كان محليا بامتياز!.!.! جلسة انتخاب رئيس مجلس النواب تحولت سريعا إلى منصة "تيك توك" سياسية، حيث أطلق البرلماني عمر بنجلون العنان لسحره الخطابي مُرَكزا عينيه في الكاميرا بنظرات حادة وكأنه يلقي "المونولوج" الأخير في مسرحية شكسبيرية.. صراخ ونقاط نظام ومعارك وجودية طاحنة من أجل تفصيل مسطري صغير، بدا فيه التحالف يقاتل من أجل "تموقع لقطي" يضمن له تصدر الصفحات الإخبارية وتدبيج التدوينات الحماسية.. كان العرض باختصار "أنا أصرخ أمام الكاميرا، إذن أنا موجود".

بينما كانت الكاميرات في الرباط ترصد هذا الاحتقان الحنجري النبيل، كانت هناك كاميرات أخرى على الطرف الآخر من المضيق ترصد مشهدا شديد النعومة والهدوء والخطورة. ملك إسبانيا فيليبي السادس، يرافقه وقار ملكي هادئ، يحل بمدينة سبتة المحتلة في زيارة رسمية مشحونة بالرموز. فيليبي السادس لم يصرخ، ولم يرفع صوته، بل ذهب بكل هدوء وفي خطوة بالغة "التخشع" والدهاء ليضع إكليلا من الزهور في مقبرة "سيدي مبارك" الإسلامية تكريما لضحايا الهجرة.

يا لروعة "التخشع الكاثوليكي" عندما يمتزج بالبراغماتية الجيوسياسية" أليام أليام".!. فالملك الجار لم يأت " على عودو ، بل جاء مرتديا عباءة الإنسانية، يوزع نظرات العطف على المقابر، ومصافحات الود على حشود ترفع شعار "سبتة ليست للبيع". فيليبي يسجل نقاط السيادة بالصمت والصدمة والدموع التكتيكية، في حين يتكفل صمت "الخارجية المغربية" بإتمام لوحة الإخراج الكسيح.

المضحك المضحك// بينما تنشغل النخبة البرلمانية في الرباط بالقتال على "الميكروفونات" وتوجيه النظرات لعدسات القنوات المحلية لاستعراض عضلاتها الافتراضية، هناك على الأرض قوى إقليمية ترسم الخرائط، وتثبت الأمر الواقع بزيارات ملكية لم تحدث منذ قرابة عقدين، مستغلة نفس السلاح" الكاميرا".. لكن شتان بين كاميرا تُستخدم لتسجيل نقاط في بورصة "الشعبوية الفردية"، وكاميرا تُستخدم كأداة لتثبيت السيادة الجغرافية أمام العالم.

الخلاصة المرة التي تتركها هاتان اللقطتان المتزامنتان هي أننا نعيش فصاما سياسيا حادا.. نملك نخبة برلمانية تتقن خوض "حروب داحس والغبراء" اللفظية، ومستعدة لتفجير قبة البرلمان من أجل لقطة تلفزيونية عابرة، بينما القضايا المصيرية والحدودية الحارقة تُدار بالهمس والتخشع والخطوات المدروسة من طرف الخصوم. كفى صراخا في الفراغ، فالكاميرات التي يغازلها بنجلون سوف تنطفئ بعد دقائق، أما الأرض التي وطئها فيليبي السادس، فقد ترك فيها أثرا أعمق بكثير من مجرد صوت أجش لا صدى له في واقع الوطن الجريح..