قضايا

مصلحة الشغيلة فوق كل اعتبار.. لا توازن مالي على حساب الحقوق المكتسبة والحماية الصحية

وديع الحركي (نقابي)
إن الحفاظ على التوازن المالي للمؤسسات الاجتماعية ضرورة أساسية لضمان استمراريتها والوفاء بالتزاماتها، غير أن هذه الضرورة لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر للمساس بالمكتسبات الاجتماعية للشغيلة أو تحميل الأجراء والمتقاعدين أعباء إضافية تزيد من صعوبة أوضاعهم المعيشية.


فنجاح الإصلاحات الاجتماعية لا يقاس فقط بما تحققه من توازنات مالية، بل أيضا بمدى قدرتها على توفير حماية صحية فعلية، وصون كرامة المواطنين وضمان حقهم في العلاج.


فالمؤسسات الاجتماعية وجدت أساسا لحماية الإنسان من المخاطر الاجتماعية والصحية، وليس لتدبير الأرقام والحسابات وحدها.


عندما يصبح العلاج عبئا ماليا على الأجير


يفرض واقع الشغيلة تجاوز النقاش النظري حول نسب التغطية والتعويضات، والوقوف عند معاناة الأجراء الذين يجدون أنفسهم، عند المرض أو الاستشفاء، أمام مبالغ إضافية يتحتم عليهم أداؤها من مواردهم الخاصة.


وتتجلى هذه الإشكالية في ما يُعرف بـ Reste à charge، أي المبالغ المتبقية على عاتق المريض بعد احتساب التعويضات المستحقة. فقد يجد الأجير نفسه أمام تكاليف مرتفعة بسبب الفارق بين التعريفة المرجعية المعتمدة ومبلغ الفاتورة الفعلية، خصوصاً لدى بعض المصحات الخاصة.


وإذا كانت بعض الفوارق مرتبطة بحدود التغطية أو بالتكاليف الفعلية للعلاج، فإن التجاوزات غير المبررة في الفوترة والممارسات المخالفة للقواعد المنظمة ينبغي أن تخضع للمراقبة والمساءلة.


فلا يعقل أن يؤدي الأجير اشتراكاته بانتظام، ثم يجد نفسه مضطرا إلى الاستدانة أو استنزاف مدخراته لتغطية نفقات العلاج. كما لا ينبغي أن تتحول التغطية الصحية إلى حماية محدودة الأثر بسبب ارتفاع المبالغ التي تبقى على عاتق المرضى.


إن الغاية من التغطية الصحية ليست مجرد التعويض عن النفقات، بل تمكين المواطن من العلاج وصون كرامته وحماية أسرته من الأعباء المالية التي قد يفرضها المرض.


المتقاعدون: سنوات العطاء لا ينبغي أن تنتهي بالهشاشة الصحية


لا يكتمل الحديث عن صون مكتسبات الشغيلة دون استحضار أوضاع المتقاعدين الذين أفنوا سنوات طويلة في العمل والإنتاج والمساهمة في بناء الاقتصاد الوطني، ليجد بعضهم أنفسهم بعد التقاعد أمام معاشات محدودة واحتياجات صحية متزايدة.


فارتفاع تكاليف الأدوية والاستشفاء والفحوصات والعلاجات المتخصصة، إلى جانب المبالغ المتبقية على عاتق المرضى، قد يحول العلاج إلى عبء يفوق الإمكانات المالية للمتقاعد، ويضعه أمام اختيار قاس بين الإنفاق على صحته وتلبية حاجاته المعيشية الأساسية.


ومن ثم، فإن الإنصاف الاجتماعي يقتضي تعزيز حماية المتقاعدين ذوي المعاشات المحدودة، وتحسين التكفل بالأدوية والعلاجات الضرورية، ولا سيما المرتبطة بالأمراض المزمنة التي تتطلب متابعة مستمرة، مع العمل على الحد من المبالغ المتبقية على عاتقهم.


كما يستوجب الأمر تعزيز شفافية التكاليف ومراقبة الفوترة الطبية وتقييم مدى ملاءمة التعريفات المرجعية مع الكلفة الفعلية للعلاج.


فالمتقاعد ليس مجرد مستفيد من نظام اجتماعي، بل مواطن أدى واجبه المهني والاجتماعي على مدى سنوات، ومن حقه أن يعيش مرحلة التقاعد بكرامة وأمان، وأن يجد في الحماية الصحية سندا فعليا لا مصدرا إضافيا للقلق المالي.


فكرامة الشغيلة لا تنتهي بالإحالة على التقاعد، بل تزداد أهمية التغطية الصحية عندما يتراجع الدخل وترتفع الحاجة إلى العلاج.


الفوترة الطبية: حماية المريض مسؤولية مشتركة


لا يمكن تخفيف الأعباء الصحية عن الأجراء والمتقاعدين دون معالجة الممارسات التي قد تؤدي إلى ارتفاع الفواتير الطبية لدى بعض المصحات الخاصة، وما ينتج عنها من مبالغ إضافية يتحملها المرضى من مواردهم الخاصة.


فحين يكون الفارق بين التعريفة المرجعية ومبلغ الفاتورة الفعلية كبيرا، يجد المريض نفسه أمام نفقات غير متوقعة قد لا تسمح إمكاناته المالية بتحملها، خصوصا في الحالات التي يكون فيها العلاج ضروريا أو مستعجلا.


ولا يتعلق الأمر بالتعميم على جميع المصحات الخاصة أو التقليل من دورها في تقديم الخدمات الصحية، بل بالتأكيد على أن الحق في العلاج ينبغي أن يقترن بالشفافية والإنصاف واحترام القواعد المنظمة.


وتقتضي حماية المريض تعزيز مراقبة الفوترة، وتوضيح التكاليف والأسس المعتمدة في تحديدها، والتصدي للتجاوزات غير المبررة، مع تفعيل آليات التظلم والمساءلة وتحسين التنسيق بين مقدمي الخدمات الصحية ومؤسسات التأمين.

فالمرضى، ولا سيما ذوو الدخل المحدود والمتقاعدون، لا ينبغي أن يجدوا أنفسهم في وضعية تعجزهم عن فهم الفواتير أو مناقشة المبالغ المطلوبة منهم. والمسؤولية تقتضي معالجة الاختلالات بما يضمن حماية المرضى ويحافظ في الوقت نفسه على استدامة المنظومة الصحية.


إصلاح التغطية الصحية : تغيير التدبير يجب أن يصون المكتسبات


إن الإصلاحات التي تعرفها منظومة التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، ولا سيما المقتضيات المرتبطة بالقانون رقم 54.23، تطرح مسؤولية كبيرة تتعلق بكيفية ضمان الانتقال المؤسساتي مع الحفاظ على استمرارية الخدمات وصون الحقوق المكتسبة.


فنقل تدبير التأمين الإجباري الأساسي عن المرض لا ينبغي أن يفهم باعتباره مجرد تغيير في الجهة المدبرة، بل يجب أن يواكب بضمانات واضحة تحمي المستفيدين من أي تراجع غير مبرر في مستوى التغطية أو جودة الخدمات.


كما تستدعي المقتضيات الانتقالية المتعلقة باستمرار بعض الاتفاقيات والتغطيات الصحية الاختيارية الحرص على التطبيق السليم للقانون، واحترام الشروط المحددة لاستمرار هذه التغطيات، وضمان ألا يجد الأجير أو المتقاعد نفسه أمام فراغ في الحماية أو أعباء إضافية نتيجة التحولات المؤسساتية.


ومن الضروري أيضا تقييم أثر هذه التغييرات على المستفيدين، وتوضيح حقوقهم والتزاماتهم، وضمان استمرارية الخدمات الصحية خلال المرحلة الانتقالية.


فالمعيار الأساسي لنجاح الإصلاح ليس مجرد تغيير المؤسسة المدبرة أو إعادة ترتيب الاختصاصات، بل مدى قدرته على تحسين الخدمات وضمان الإنصاف وحماية المريض وصون المكتسبات وفقا للقانون.


فالانتقال المؤسساتي ينبغي أن يكون انتقالا نحو حكامة أفضل وحماية أقوى، لا مدخلا إلى تراجع غير مبرر في الحقوق أو الخدمات الصحية.


التوازن المالي وسيلة وليس غاية في حد ذاته


لا أحد يجادل في ضرورة الحفاظ على التوازن المالي للمؤسسات الاجتماعية وضمان استدامة أنظمة الحماية الصحية، حتى تتمكن من الوفاء بالتزاماتها الحالية والمستقبلية. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق هذه الاستدامة دون جعل الأجير أو المتقاعد الحلقة الأضعف في معادلة الإصلاح.


فالإصلاح الجاد يقتضي تحسين الحكامة، ومحاربة الغش والتجاوزات، ومراقبة النفقات والفوترة، وتقييم التعريفات المرجعية وفق معايير موضوعية، ومعالجة الاختلالات المالية والتدبيرية من جذورها، بدلا من الاكتفاء بتقليص الالتزامات أو تحميل المستفيدين أعباء إضافية.


كما ينبغي توزيع المسؤولية بصورة منصفة بين مختلف المتدخلين، حتى لا يتحمل الأجراء والمتقاعدون كلفة اختلالات لا يتحكمون فيها، أو أعباء التحولات الإدارية والمؤسساتية.


إن التوازن المالي الذي يتحقق على حساب قدرة الأجير على العلاج أو حق المتقاعد في التغطية الصحية لا يمكن اعتباره نجاحا كاملا للإصلاح. فالاستدامة الحقيقية هي التي تضمن استمرارية المؤسسات، وتحسن جودة خدماتها، وتحمي المستفيدين من الأعباء غير المبررة.


مصلحة الشغيلة والمتقاعدين فوق كل اعتبار


إن الدفاع عن الشغيلة لا يعني رفض الإصلاح أو تجاهل الإكراهات المالية، بل المطالبة بإصلاح مسؤول ومتوازن يضع الإنسان في صلب أولوياته، ويعالج الاختلالات دون المساس بالمكتسبات الاجتماعية.


فالأجير ليس مجرد مساهم في نظام تأميني، والمتقاعد ليس مجرد مستفيد من معاش شهري؛ فكلاهما مواطن له حقوق وكرامة وأسرة والتزامات، ومن حقه أن يجد في منظومة التغطية الصحية ضمانة حقيقية عند المرض والحاجة.


ومن هذا المنطلق، ينبغي أن تكون مصلحة الشغيلة والمتقاعدين حاضرة في كل قرار يتعلق بالتغطية الصحية والتعويضات والخدمات الاجتماعية، وأن يقاس نجاح الإصلاح بما يوفره من حماية فعلية وإنصاف، وما يخففه من أعباء عن المواطنين.


كما أن صون المكتسبات لا ينبغي أن يقتصر على عدم المساس بها من الناحية القانونية، بل يجب أن يمتد إلى ضمان فعاليتها في الواقع، حتى لا تصبح الحقوق المقررة نظريا عاجزة عن توفير الحماية المطلوبة عمليا.


إن مصلحة الشغيلة فوق كل اعتبار، سواء تعلق الأمر بالأجير أثناء حياته المهنية أو بالمتقاعد بعد سنوات العطاء. فلا معنى لتوازن مالي لا ينعكس على حماية فعلية للمواطن، ولا لاستدامة مؤسسات اجتماعية إذا ظل الأجير والمتقاعد يواجهان أعباء العلاج بما يفوق قدرتهما المالية.


إن التوازن المالي ضرورة لضمان الاستمرارية، لكنه ليس مبررا للمساس بالحقوق المكتسبة. والإصلاح الحقيقي هو الذي يحافظ على استدامة المؤسسات، ويصون كرامة الشغيلة والمتقاعدين، ويضمن الحق في العلاج، ويخفف الأعباء غير المبررة عن الأسر.


ذلك هو المعيار الحقيقي لنجاح الإصلاحات الاجتماعية: حماية الإنسان، وصون الحقوق المكتسبة، وتحقيق التوازن بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية.