لم تعد تسريبات "مجموعة أطلس هاكرز"، منذ يونيو 2026، مجرد مادة للفرجة الرقمية، بل تحولت إلى وثيقة سوسيولوجية تكشف كيف يتحول ما يسمى "النضال" في المهجر إلى سوق للمقايضة الأمنية والأخلاقية. وتأتي أهمية السلسلة الأخيرة التي نشرت نهاية شتنبر وبداية أكتوبر 2026 حول المحادثات بين المهدي الحيجاوي ورضا الطاوجني بخصوص هشام جيراندو، في كونها المرة الأولى التي يتم فيها توثيق الغدر البيني بالصوت، وتأكيد رواية شاهد من الداخل.
خُبْث النية يبان من الفعل.
من يخون وطنه ويتآمر عليه لن يتردد في الغدر بشريكه في الخيانة. ومن يبيع عِرْضه يسهل عليه بيع رفاقه. هذا حال العميلين والخائنين هشام جراندو ومهدي الحيجاوي الذين فضحتهما تسريبات "أطلس هاكرز". والمسألة هنا ليست مجرد فضيحة جديدة تضاف إلى أرشيف الفضائح التي ارتبطت بهذين الخائنين، ولا مجرد صراع بين أشخاص اختلفوا بعد أن كانوا يتبادلون المعلومات؛ بل الأهم أن التسريبات تفتح نافذة على طريقة اشتغال جزء من صناعة المحتوى السياسي في المنصات الرقمية: كيف تُجمع المعلومات، وكيف تتحول الأسرار إلى مادة للنشر، وكيف يمكن أن يتحول المصدر إلى شريك، والشريك إلى خصم، والخصم إلى قربان. وهذا كان مخطط الحيجاوي الذي عرضه صراحة على الطاوجني ويقترح ثلاثة سيناريوهات:
1 ـ استدراج جيراندو عبر صفقة تجارية وهمية إلى دول تعتبرها الأجهزة المغربية سهلة التعاون الأمني: دبي، السعودية، الغابون، ساحل العاج، وهناك يتم"تسليم جيراندو "مْـﯕمّط" للسلطات المغربية مقابل الحصول على "ضوء أخضر" وتسوية وضعه الشخصي. أي مقايضة جراندو بالعفو عن الحيجاوي الذي ضاقت به أوضاع اللجوء بفعل مذكرات البحث الدولية والملاحقات القضائية التي أصدرتها السلطات الأمنية والقضائية المغربية. وهذه هي أخلاق المافيا التي تثبت أننا أمام "معارضة مافيوزية" مبدأها المقايضة. أي أن الحيجاوي مستعد لبيع أقرب حليف مقابل العفو. وهذا ما يفسره مفهوم "الارتزاق السياسي" عند ماكس فيبر: حين يتحول النضال إلى مهنة للعيش.
2 ـ "الصندوق"، أي الانتقال إلى التصفية الجسدية. إذ كشف الحيجاوي عن وجود ذراع تنفيذي في كندا، هو قريبه "أمين علام"، كان موظفا أمنيا سابقا بولاية أمن طنجة ويقيم حاليا في مونريال، وصفه بأنه "عنصر انتحاري مستعد لأي سلوك" وزوجته كذلك مقابل المال. وبلغت النزعة السادية ذروتها بقوله: "كون لقيت ندير فيه ما دار هتلر" و"هاداك خاصو الصندوق باش يسكت" أي القتل. تهديد الحيجاوي بوضع جيراندو في "الصندوق" ليس تهديدا عابرا، بل هو آلية لضبط السوق السوداء للمعلومات. فحين يصبح الشخص عبئا وورقة محترقة، يتم التخلص منه. وهذا يفسر لماذا كل شبكات الابتزاز في الخارج تنتهي بالتصفية أو التسليم.
3 ـ التوريط الأخلاقي عبر توظيف القانون الغربي كسلاح أو كما سماها "عملية سعد لمجرد"، وتقوم على استغلال ما يسميه الحيجاوي "هوس جيراندو بالنساء والكحول" عبر الاستعانة بعاملات الجنس، ودفع إحداهن لتقديم شكاية اغتصاب، ثم ثانية، لفتح متابعة قضائية طويلة تؤدي لسجنه لسنوات على غرار مسار سعد لمجرد أمام القضاء الفرنسي. وهذا السيناريو يكشف ذكاء إجراميا ماكر للحيجاوي: أي استغلال حساسية القضاء الفرنسي والكندي تجاه قضايا الاغتصاب لتوريط الخصم ورميه خلف القضبان لسنين طويلة. هنا نحن أمام تكييف قانوني واضح: تكوين عصابة إجرامية، التخطيط للقتل العمد، والاتجار بالبشر لاستغلالهن في كمائن جنسية.
إن تسريبات "مجموعة أطلس هاكرز" تشرّح بنية الارتزاق الرقمي وتفضح أسطورة "المعارضة في الخارج". فالتسريبات لم تكن مجرد اختراق تقني، بل هي عملية تعرية بنيوية لنموذج كامل من "المعارضة المقاولاتية" التي نشأت في المهجر بعد 2016، وتغذت على اقتصاد الريع الرقمي: مشاهدات يوتيوب، تبرعات، ابتزاز. ومن ثم فهي توثق بالصوت والصورة الانتقال من خطاب التشهير إلى التخطيط الجنائي.
أخطر عدو للمرتزق هو مرتزق آخر.
في قاموس الاستخبارات، يسمى جيراندو "الأبله المفيد"، وفي الحس المشترك "حمار الطاحونة". إذ لم يتردد الحيجاوي في نعته بـ "الحمار" و"المجنون" و"الطوكار". فجيراندو ليس عقلا مدبرا، بل هو المنفّذ والمنصة الصوتية. يزوّده الحيجاوي بما يسميه "معلومات داخلية" و "أطراً تحليلية"، ليحوّلها إلى محتوى مرئي يُنشر علناً. وتُظهر موجات تسريب متعددة أن الحيجاوي لم يكتفِ بتحديد أهداف الهجوم، بل شارك في مناقشة "طريقة تقديم" المحتوى، وطلب صراحةً من جيراندو حذف بعض الفيديوهات أو حذف اسمه من بعض المقاطع. طمعه هو نقطة ضعفه القاتلة، وهو ما استغله الحيجاوي حين اقترح إغراءه بصفقة تجارية وهمية في دبي أو الغابون. وهذه هي "آلية الاستدراج الكلاسيكية في عالم الجريمة المنظمة"، أي استغلال جشع الضحية.
أما الحيجاوي فهو يعاني من "متلازمة المحارب المزيف" بحيث يقدم نفسه "كولونيل سابق في لادجيد"، بينما تؤكد شهادة الطاوجني ووثائق "أطلس هاكرز" أنه كان مجرد موظف مدني عادي تم طرده لارتكابه أخطاء مهنية جسيمة. هذا الفارق بين الواقع والتمثيل يولد حاجة مرضية لإثبات الأهمية عبر ادعاء امتلاك أسرار الدولة، ثم عبر عرض خدماته لتصفية خصومه القدامى.
لقد سقطت ورقة التوت. فما كان يُقدم كـ "نضال" تبين أنه سوق نخاسة رقمية: رؤوس للبيع، أجساد للإيجار، وشكايات اغتصاب للتلفيق. وهذا هو الدرس الأهم: عندما تتحول السياسة إلى ارتزاق، يتحول الرفيق إلى سلعة، والوطن إلى صفقة.






