لا تقوم الدولة عند سبينوزا على الخوف كما رأى هوبز، بل غايتها الحرية. فليس دورها أن تُحوّل الناس من كائنات عاقلة إلى بهائم أو آلات، بل أن تُخلّصهم من الخوف، وتتيح لعقولهم وأبدانهم أن تؤدي وظائفها في أمان. ومن هنا ميّز سبينوزا بين دولتين تبدوان من الخارج متشابهتين: دولة لا يمنع رعاياها من التمرّد إلا الخوف، ودولة يعيش مواطنوها في وفاق.
وعلى هذا التمييز تقوم مواطنتان. الأولى مواطنة سلبية تُعرَف بما لا يفعله صاحبها: لا يتمرّد، ولا يقترح، ولا يخلّ بالنظام. وهي مواطنة الحزن بالمعنى السبينوزي؛ فصاحبها منفعل لا فاعل، والدولة لا تطلب منه شيئًا سوى ألا يكون عائقًا. والثانية مواطنة إيجابية تُعرَف بما يضيفه صاحبها: يبني، ويبادر، ويقترح، ويتعاون مع غيره، ويريد لسائر الناس الخير الذي يريده لنفسه. وهي مواطنة الفرح؛ فصاحبها تزداد قدرته على الفعل كلما اجتمع بغيره. وعند سبينوزا ليس هناك ما هو أنفع للإنسان من الإنسان.
والفرق بين المواطنتين هو في النهاية فرق بين نظرتين إلى الآخر: إمّا أن أرى فيه منافسًا على شيء محدود لا أناله إلا بحرمانه منه، فيصير خصمًا بالضرورة؛ وإمّا أن أرى فيه شريكًا في شيء يزداد كلما اشتركنا فيه ولا ينقص بالقسمة، كالمعرفة والأمن والحرية والسلام.
ومن ثَمّ فإن أول سؤال يُطرح على أي دولة ليس: هل مواطنوها مطيعون؟ بل: هل هم فرحون؟ أي هل عيشهم معًا يزيد قدرتهم على الفعل أم ينقصها؟ فحيث تنقص هذه القدرة تنبت الكراهية من تلقاء نفسها، ولو لم يزرعها أحد. ذلك أن الإنسان الشقي لا يحتمل شقاءً لا يعرف له سببًا، فيبحث عن سبب خارجي يحمّله شقاءه؛ فإذا وجده، أو ظنّ أنه وجده، تحوّل شقاؤه إلى كراهية. والكراهية، في تعريف سبينوزا نفسه، ليست سوى «حزن مصحوب بفكرة سبب خارجي». ولهذا فالشقاء ليس شأنًا خاصًّا يعني الشقيّ وحده، بل خطر على العيش المشترك؛ لأنه المادة التي تُصنع منها الكراهية.






