يحكي الفيلم الكوميدي الأمريكي «License to Wed»، «رخصة للزواج»، قصة شاب وفتاة ، قررا الزواج واختارا الكنيسة التي اعتادت عائلة العروس إقامة أفراحها فيها. كل شيء يبدو عاديا، إلى أن يظهر القس فرانك ويقول لهما:
قبل أن «أعلنكما زوجا وزوجة»، عليكما أولا أن تجتازا دورة للإعداد للزواج.
وهكذا ، بدل الانشغال بالحفل وشهر العسل، يجد العاشقان نفسهما أمام دروس وتمارين واختبارات، بل يضع القس بين أيديهما طفلين آليين ليختبر قدرتهما على تحمل مسؤولية الأبوة والأمومة. كانت هوليوود تبحث عن الكوميديا، فبالغت في المواقف وصنعت منها فيلما يضحك الناس.
وببلادنا، اختصر التراث الشعبي الهواري الموضوع من جهة أخرى تماما في لازمة أغنية «أمي لالا ما نتزوجشي»، التي تداولها أكثر من صوت، وكان رشيد وترا من أشهر من أداها. لا تدريب ولا رخصة ولا صداع رأس، الحل من أصله ألا نتزوج!
تذكرت الفيلم والأغنية معا وأنا أقرأ خبرا في جريدة «القبس» الكويتية، هذه المرة من الواقع، وليس من السينما ولا من الأغنية.
فالكويت قررت الاهتمام بتأهيل المقبلين على الزواج، حتى يدخل الشاب والفتاة الحياة الزوجية وهما أكثر معرفة بما ينتظرهما فيها.
وهكذا، بين هوليوود التي تخيلت «رخصة للزواج»، وأغنية شعبية مغربية اختارت «ما نتزوجشي»، والكويت التي تراهن على التأهيل قبل الزواج، ربما توجد مساحة ثالثة تستحق التفكير: أن نتزوج، نعم، ولكن أن نستعد قليلا لما بعد «مبروك».
والفكرة ليست جديدة. ففي ماليزيا تعتبر دورة ما قبل الزواج إلزامية بالنسبة للمسلمين وتشمل مسؤوليات الزوجين والتواصل وتدبير المال والصحة والنزاعات. وفي سنغافورة توجد برامج مماثلة يصبح بعضها إلزاميا بالنسبة إلى صغار السن. أما بعض الولايات الأمريكية، فاختارت التشجيع بدل الإلزام، بمنح امتيازات لمن يتابع دورة معتمدة قبل الزواج.
ومن الكويت إلى المغرب، لا يبدو السؤال بعيدا عنا.
فالبحث الوطني حول العائلة لسنة 2025 يضع معدل الطلاق في المتوسط عند 3,6 في الألف. لكنه يقفز خلال أقل من سنتين من الزواج إلى 26,8 في الألف، ثم ينخفض إلى 18,9 في الألف بين سنتين وأربع سنوات، وإلى 7,5 في الألف بين خمس وتسع سنوات.
لا تعني الأرقام أن دورة تدريبية ستمنع الطلاق، فالزواج أكثر تعقيدا من أن تصلحه دورة. لكنها تقول إن السنوات الأولى تبدو الأكثر هشاشة، وربما الأكثر حاجة إلى الاستعداد.
وببلادنا ليس ضروريا أن يكون التأهيل مادة داخل المدونة نفسها الجاري مراجعتها ؛ فقد يجد مكانه في نص تنظيمي، أو إجراء إداري مصاحب، أو سياسة عمومية.
والتأهيل لا يعني أن نطلب من الخطيبين أن يتحدثا أكثر. فهما غالبا يتحدثان كثيرا، لكن عن المسرات أكثر من المشكلات: الحفل والبيت والسفر والمستقبل الجميل، ويتجنبان الأسئلة التي قد تعكر صفو الخطوبة.
وهنا تظهر أهمية جهة ثالثة محايدة. قد تكون شخصا مؤهلا، أو مركزا، أو مؤسسة، أو فريقا متعدد الاختصاصات. لا لتقرر عنهما أو تختبر حبهما، وإنما لتضع أمامهما الأسئلة التي تؤجلها الخطوبة.
من سيدبر المال؟ ماذا عن عمل الزوج والزوجة؟ كيف ستوزع أشغال البيت؟ وكيف سيربيان الأطفال؟ وأين تنتهي علاقة الأسرتين وتبدأ خصوصية الزوجين؟ وما حدود العلاقة بالأصدقاء؟ وماذا سيفعلان عندما يختلفان؟
فالتأهيل لا يقدم وصفة للزواج السعيد. وظيفته أن يطرح الأسئلة قبل أن تجيب عنها الحياة مكانهما.
فنحن نستعد كثيرا للعرس، وأقل منه للزواج. نناقش القاعة واللباس والمشوي والبسطيلة والموسيقى والمدعوين، وقد تستغرق الاستعدادات شهورا، بينما قد لا نخصص يومين للأسئلة التي سترافق الزوجين سنوات.
وعندما يتعثر الزواج، تكاد تقوم القيامة. ما كان شأنا بين شخصين يصبح ملفا تتدخل فيه مؤسسات وجهات متعددة. يدخل القضاء، وتبدأ محاولات الصلح، وتطرح النفقة والمستحقات والسكن والحضانة والزيارة. ومع وجود الأطفال، يصبح الأمر أكبر من انفصال رجل وامرأة: أين سيعيشون؟ ومن سيربيهم؟ وكيف تستمر علاقتهم بالأب والأم؟ وكيف نحميهم من أن يتحول خلاف الزوجين إلى حرب يكونون أول ضحاياها؟
وهنا المفارقة: في البداية نترك الطرفين وحدهما، وعند النهاية نستدعي القاضي والمحامي والمؤسسات والخبراء ونبحث عن الصلح والحلول.
فلماذا لا نستثمر جزءا من هذا الجهد قبل الزواج؟ ليس لمنع الطلاق بأي ثمن، وإنما حتى يدخل شخصان إلى علاقة ستترتب عنها حقوق وواجبات ومصائر، وهما يعرفان طبيعة الطريق الذي اختارا أن يسلكاه.
وبين ما يقال وما لا يقال، ربما لا يحتاج الزواج إلى «رخصة» كما تخيلت هوليوود، ولا إلى «ما نتزوجشي» كما يقول الموروث الشعبي، ولكن ربما يحتاج فقط إلى أن نتعلم شيئا عن الطريق قبل أن ننطلق فيه.






