وخلال هذه المقابلات، طُرحت على المترشحين أسئلة باللغتين حسب كل تخصص العربية والفرنسية. وقد لمسنا، في المجمل، مستوى علميا ولغويا مشجعا لدى طلبة قدموا من جامعات مغربية وأجنبية مختلفة، ولا سيما في إتقان اللغات الأجنبية. غير أن ما أثار استغرابنا وقلقنا لم يكن ضعفا في المعارف، بل غياب حدث وطني بالغ الأهمية عن دائرة اهتمام عدد كبير منهم.
كان سؤالي بسيطا ومتصلا مباشرة بصلب التخصصين:
حدثونا عن أبرز الأحداث السياسية والديمقراطية الراهنة التي يعيشها المغرب.
كنت أنتظر أن تكون الانتخابات التشريعية في صدارة الأجوبة، حتى نفتح نقاشا حول المشاركة السياسية وهي جزء اصيل من التخصص، ونحفز هؤلاء الشباب على الانخراط، وعلى دعوة أسرهم ومحيطهم إلى ممارسة حقهم الانتخابي بكل تجرد واستقلالية في الاختيار. لكن المفارقة الصادمة أنهم تحدثوا عن كل شيء تقريبا لكن خارج المغرب عن ايران، عن غزة، عن اليمن، عن امريكا… وعن المغرب عن أزمة سبتة المحتلة، إلا الانتخابات التشريعية! ولم تتجاوز نسبة من التقطوا المقصود مباشرة، واحدا من كل عشرة مترشحين. وثلاثة من مائة وخمسين في المجموع منهم من أكدوا حرصهم على المشاركة.
إنها ليست ملاحظة عابرة، بل إشارة إنذار حقيقية ينبغي أن تستوقفنا جميعا؛ باحثين وجامعات، وأحزابا، ومجتمعا مدنيا، ومؤسسات دولة….. فنحن أمام جيل يمتلك المعارف واللغات والطموح، لكنه يبتعد تدريجيا عن الفعل السياسي والمؤسساتي الذي يصنع مستقبله.
لقد آن الأوان لوضع حد لخفة الخطاب السياسي، وللتهافت على اقتسام ثمار المكتسبات الديمقراطية دون المساهمة الجادة في حمايتها وتجديدها. فالديمقراطية ليست مكسبا نهائيا يستهلك، بل بناء يومي لا يستمر إلا بالمشاركة والثقة والمسؤولية.
إلى الذين جعلوا من التخوين والاتهامات المتبادلة بديلا عن السياسة النبيلة؛ لقد دفعتم ثقة الشباب إلى منطقة الخطر، ووضعتم مستقبل مكتسباتنا الديمقراطية في مسار اللايقين. والأخطر أنكم جعلتم الوطن نفسه موضوع اختبار ومجازفة.
حين لا يرى الشباب الانتخابات حدثا يعنيهم، فلا ينبغي أن نلوم الشباب وحدهم؛ بل علينا أن نسائل السياسة التي لم تعد قادرة على إقناعهم بأنها طريق للتغيير وخدمة الصالح العام.
إنه ناقوس إنذار، ودعوة عاجلة إلى اليقظة، لكل من بقيت فيه ذرة من المسؤولية والوطنية.






