رأي

نبيل عادل: من سيربح المليون.. ومن سيدفع ثمن وهم يعرف المغاربة مآله؟

يبدو أن للمليون سحراً خاصاً في السياسة المغربية.

مليون منصب شغل رقم جميل، جذاب، خفيف على اللسان، سهل على الملصقات، والأهم أنه كبير بما يكفي للمزايدة الانتخابوبية.

وقد سبق أن سمعناه من قبل من"السي عزيز".

وها نحن نسمعه مرة أخرى ممن شاركه في تسويق الوهم أو أمضى خمس سنوات في معاتبته بيع الوهم للمغاربة.

الجديد هذه المرة أن بعض البرامج لا تكتفي بوعدنا بمليون منصب شغل، بل تقدم لنا أيضاً المعادلة التي ستنتجه: نمو اقتصادي في حدود 5 في المائة سنوياً دون انقطاع لمدة خمس سنوات، والنتيجة مليون منصب شغل.

بسيطة، أليس كذلك؟

خمسة في المائة، خمس سنوات، مليون وظيفة.

لو كانت الاقتصادات تُدار بهذا الشكل، لما احتجنا إلى وزارات للمالية ولا إلى بنوك مركزية ولا إلى خبراء اقتصاد. يكفي جدول Excel جيد النية.

لكن الاقتصاد، للأسف، أكثر قسوة في التعامل من الشعارات الفارغة.

أولا: من أين ستأتي 5 في المائة؟

قبل الحديث عن مليون منصب، ينبغي أن نبدأ بالسؤال الأبسط: كيف سيحقق المغرب نمواً بـ5 في المائة، ليس سنة واحدة، ليس في سنتين بل خمس سنوات متتالية؟

ذلك أن بعض البرامج تتعامل مع النمو كما لو كان هدفاً إدارياً. نكتب في البرنامج: 5 في المائة، فتأتي 5 في المائة.

لكن النمو ليس بنداً في قانون تنظيمي، ولا مرسوماً حكومياً، ولا نتيجة تصويت في البرلمان.

النمو يعني أن تنتج المقاولات أكثر، وأن تستثمر أكثر، وأن ترتفع الإنتاجية، وأن تتحسن القدرة التنافسية، وأن تتوسع الأسواق، وأن يتوفر التمويل، وأن تنخفض كلفة ممارسة الأعمال، وأن تتحسن الثقة.

وكل هذا يحتاج وقتاً.

ثم إن الحكومة التي ستتشكل بعد الانتخابات لن تبدأ من صفحة بيضاء. سنتها الأولى ستكون، إلى حد بعيد، محكومة بقانون مالية أعدته الحكومة السابقة. وبالتالي، فإن افتراض نمو بـ5 في المائة منذ السنة الأولى يعني شيئاً طريفاً: أن يبدأ البرنامج في حصد نتائجه قبل أن البدء في تطبيقه.

حتى الاقتصاد، على ما نعلم، لم يحصل بعد على خاصية السفر عبر الزمن.

والتاريخ بدوره لا يساعد كثيراً هذه الفرضية. فقد عرف المغرب بالفعل سنوات تجاوز فيها النمو 5 في المائة، لكن ذلك كان استثناء و ارتبط غالباً بموسم فلاحي جيد أو بسنة انتعاش بعد فترة نمو سابقة ضعيفة. أما أن يحافظ البلد على 5 في المائة خمس سنوات متواصلة، فليس ذلك من عاداته الاقتصادية منذ الاستقلال.

ولكن عرابي هذا الطرح جاهز: سننفذ إصلاحات كبيرة لم تسمعوا بها قط.

جميل.

لكن الإصلاحات الجدية ليست أقراصاً فوارة.

تحسين التعليم والتكوين، إصلاح مناخ الأعمال، تمويل المقاولات، رفع الإنتاجية، تطوير الصناعة، تحسين الحكامة… كلها أمور تحتاج سنوات قبل أن يظهر أثرها الكامل. وحتى السياسات الاقتصادية القصيرة الأجل لا تنتقل نتائجها دون اي قيد أو شرط إلى النشاط الاقتصادي.

ولذلك فإن المسار المعقول ليس أن ننتقل فجأة إلى 5 في المائة، بل أن نبدأ من النمو الموروث، ثم نرتفع تدريجياً، وربما نصل إلى 5 في المائة في السنوات الأخيرة.

أما أن نبدأ بها ونستمر فيها دونً انقطاع، فذلك ليس سيناريو مركزياً.

إنه حلم بقطة يحتاج إلى الكثير من الحظ والقليل من الذاكرة الاقتصادية.

ثانياً: حتى لو تحقق النمو… أين المليون؟

لنكن أكثر سخاءً، ونفترض أن 5 في المائة تحققت فعلاً.

فهل ستمنحنا مليون منصب شغل؟

مليون منصب خلال خمس سنوات يعني 200 ألف منصب صافٍ كل سنة.

و”صافٍ” هنا ليست كلمة زائدة.

لأن الاقتصاد يخلق وظائف جديدة، لكنه يدمر أخرى.

مقاولات تفتح وأخرى تغلق. مصانع توظف وأخرى تسرح. قطاعات تنمو وأخرى تنكمش. الآلات والرقمنة تعوض بعض الوظائف. والجفاف يضرب التشغيل الفلاحي في السنون العجاف.

ولا يجوز أن نعد الوظائف التي أُحدثت، ثم ننسى التي اختفت.

فحتى المحاسبة البسيطة لا تحتسب الأرباح، إلا بعد خصم المصاريف.

بين 2021 و2025، أحدث الاقتصاد المغربي قرابة 850 ألف منصب شغل غير فلاحي، أي ما يقارب 170 ألف منصب سنوياً.

وعند ربط هذا الرقم بالنمو غير الفلاحي خلال الفترة نفسها، نجد أن كل نقطة نمو أنتجت تقريباً 38 ألف منصب شغل غير فلاحي.

هذه ليست فرضية.

هذا ما حققه الاقتصاد المغربي فعلاً.

وبهذا المعدل، فإن نمواً بـ5 في المائة قد ينتج حوالي 190 ألف منصب غير فلاحي سنوياً.

إلى هنا، يبدو الأمر قريباً من الهدف.

لكن هنا يدخل القطاع الفلاحي بمزاجه المتقلب، تقلب المناخ، فيفسد الحفلة.

خلال الفترة نفسها، فقدت الفلاحة في المتوسط نحو 105 آلاف منصب شغل سنوياً.

أي أننا قد نخلق 190 ألف منصب خارج الفلاحة، لكن إذا خسرنا في المقابل 105 آلاف داخلها، فإن الناتج الصافي لا يتجاوز تقريباً 85 ألف منصب سنوياً.

وفي خمس سنوات؟

نحو 425 ألف منصب.

أي أقل من نصف المليون الموعود.

طبعاً، يمكن أن تمطر السماء أكثر.

وقد تتحسن المواسم الفلاحية.

لكن بناء مصداقية برنامج حكومي على افتراض أن الأمطار ستصبح أكثر تعاوناً مع الأغلبية المقبلة ليس تخطيطاً اقتصادياً.

إنه تفاؤل مناخي.

المعجزة الثالثة: أن يصبح النمو أكثر سخاءً في خلق الوظائف

لكي نصل فعلاً إلى مليون منصب صافٍ خلال خمس سنوات، مع تعويض الخسائر الفلاحية، نحتاج إلى خلق أكثر من 300 ألف منصب غير فلاحي سنوياً.

وهذا يعني أن كل نقطة نمو يجب ألا تنتج 38 ألف منصب كما هو الحال في السنوات الاخيرة، بل قرابة 61 ألف منصب.

أي أن قدرة الاقتصاد المغربي على تحويل النمو إلى وظائف يجب أن تتحسن بنحو 60 في المائة.

ليس بعد عشر سنوات.

ولا بعد إصلاح شامل للتعليم والإنتاجية والصناعة.

بل ابتداءً من السنة الأولى.

ومن هنا يصبح السؤال بسيطاً جداً:

ما الذي سيتغير فجأة في الاقتصاد المغربي حتى تصبح كل نقطة نمو أكثر قدرة على خلق الوظائف بـ60 في المائة؟

ما هو الإصلاح المحدد؟

ما هي القطاعات المعنية؟

ما حجم الاستثمار؟

ما أثره على الإنتاجية؟

وما الزمن اللازم لذلك؟

إن لم نجد جواباً عن هذه الأسئلة، فلا نتحدث عن توقع اقتصادي.

إنما "نتبع انفسنا هواها ونتمنى على الله الأماني" أو كما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم العاجز.

والأجور أيضاً؟

الأغرب أن بعض هذه البرامج تضيف إلى هذه الفرضيات وعداً برفع قوي للحد الأدنى للأجور، من دون أن تشرح كيف ستزيد إنتاجية العامل بالمستوى نفسه.

رفع الأجور هدف اجتماعي مشروع.

لكن إذا ارتفعت كلفة تشغيل العامل أسرع من إنتاجيته، فإن المقاولة لن تصفق طويلاً للقرار.

ستوظف أقل.

أو ستعوض بعض العمال بالآلات.

أو تلجأ إلى القطاع غير المهيكل.

أو تفلس.

خصوصاً في القطاعات كثيفة التشغيل: النسيج، التجارة، البناء، المطاعم، الصناعات الغذائية والخدمات الشخصية.

وهكذا نصل إلى مفارقة جميلة:

نريد أن تصبح كل نقطة نمو أكثر قدرة على خلق الوظائف، وفي الوقت نفسه نتخذ إجراءات قد تجعل المقاولة أقل قدرة على التوظيف.

والاقتصاد، كما يبدو، مطالب بأن يستجيب لترهاتنا ويحقق أحلامنا الوردية.

الرقم الذي لا يريد أحد قوله

إذا حافظ الاقتصاد المغربي على قدرته الحالية على خلق الشغل، وإذا أخذنا في الاعتبار الخسائر الفلاحية المسجلة خلال السنوات الأخيرة حيث أصبح الجفاف معطىً بنيويا، فإن الوصول إلى 200 ألف منصب صافٍ سنوياً يحتاج إلى نمو أعلى بكثير من 5 في المائة.

التقديرات المبنية على الأداء الأخير تقود إلى نسب أقرب إلى 8 أو حتى 10 في المائة سنوياً.

رقم صعب؟

بالتأكيد.

لكن هذه هي المشكلة بالضبط.

فإذا كان تحقيق المليون يحتاج إلى نمو بهذه القوة، فلا يكفي أن نستبدله في البرنامج بنسبة أكثر راحة نفسياً.

فالاقتصاد لا يأبه بمشاعرنا المرهفة.

المشكلة ليست في الطموح

المغرب يحتاج إلى مليون منصب شغل.

بل ربما إلى أكثر بكثير.

لدينا جحافل من العاطلين اليوم، وشباب سيدخلون سوق الشغل غداً، وآخرون انسحبوا من البحث أصلاً لأنهم فقدوا الأمل.

إذن، ليست المشكلة في أن يكون الهدف طموحاً.

المشكلة تبدأ حين نحول الرغبة السياسية، بجرّة قلم، إلى إنجاز اقتصادي، وحين نريد العبور من جبل السياسة إلى سهل الاقتصاد دون أن نكلف أنفسنا عناء بناء جسر أو شق طريق.

من حق الحزب أن يقول: نريد خلق مليون منصب.

لكن واجبه بعد ذلك أن يقول لنا:

كيف سيرفع الاستثمار؟

كيف سيرفع الإنتاجية؟

كيف سيوقف تآكل الشغل الفلاحي؟

كيف سيزيد قدرة الاقتصاد على خلق الوظائف بـ60 في المائة؟

وكيف سيحقق كل ذلك منذ السنوات الأولى؟

أما أن نكتب في خانة النمو “5 في المائة”، وفي خانة التشغيل “مليون”، ثم نرسم سهماً بينهما، فهذا ليس برنامجاً اقتصادياً.

هذا درس في الأشكال الهندسية.

وقد سبق للمغاربة أن سمعوا وعد المليون.

وعندما لم يصل المليون، وصلت التفسيرات: الجفاف، كورونا، الحرب، التضخم، الخارج، الداخل، الماضي… وكل ما يمكن أن يقع بين المحيط الأطلسي وبحر الصين.

ولذلك قد لا يكون السؤال الأهم اليوم هو: كم وظيفة ستخلقون؟

بل:

ماهي الأعذار التي ستتفتق عنها قريحتكم لتسويق فشلكم بعد خمس سنوات؟

فالوعود الانتخابية تستطيع أن تؤجل موعدها.

أما الاقتصاد، فلا يؤخر الفاتورة.