بعد مضي خمسة عشر عاما على آخر نسخة من الدستور المغربي، لم ينجح المشهد السياسي المغربي في الوصول إلى فرز يؤدي إلى خارطة سياسية واضحة المعالم. بل يمكن القول إن ذلك المشهد أصبح اليوم أشد غموضا مما كان عليه في السبعينيات والثمانينيات، حين كانت لليسار ملامح وكانت لغيره أوجه، وكان الصراع يدور حول رؤيتين مختلفتين إلى حد التعارض، وكان السؤال المركزي الذي يبحث الجميع عن جواب عنه: أي مجتمع نريد؟
أما اليوم فقد اتخذ المشهد شكلا رخوا تتغير صورته بين يوم وليلة حسب ما تمليه الحسابات الانتخابية، وليس حسب ما تفرضه القناعات الفكرية والمصالح العليا للبلاد. وهذا يعني أن السؤال المركزي الذي طرحته الحركة الوطنية والذي كان يؤرق الجميع منذ بداية الستينيات: من نحن وماذا نريد؟ قد توارى وبقي دون جواب واضح، وكأن المغرب رسا على نموذج اجتماعي واقتصادي مثالي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
والحال أن بلادنا ما زالت بعد سبعين سنة من الاستقلال تتخبط في مشاكل لا حصر لها بدءا بالتعليم والصحة والشغل والسكن وليس انتهاء بحفظ كرامة المواطن بتمتيعه بكل حقوق المواطنة، وتمكينه من الولوج إلى المرافق العمومية التي تضمن له حدا أدنى من الحياة الكريمة.
من الواضح أن هذا الوضع الذي استمر أكثر مما ينبغي له، ينم عن ركود سياسي يحول دون أي دينامية من شأنها أن تقربنا من الحلول الناجعة لمشاكلنا المستعصية. بل إن تلك المشاكل تتضخم سنة بعد سنة، وكأن البلاد تعرف نكوصا في كل ما له علاقة بقضايا المجتمع. لا يشفع لها في ذلك التقدم الكبير الذي تعرفه في توسيع شبكة طرقها السيارة وعمارات مدنها الشاهقة وقطاراتها السريعة وملاعبها الدولية.
لقد تطورت البلاد على مستوى بنياتها التحتية ومظهر بعض مدنها الكبرى، ولكن الإنسان فيها بقي على هامش اهتمام المسؤولين. وبما أن الإنسان هو مبتدأ وخبر كل تقدم، فإن مظاهر المدنية مهما كانت براقة، لا يمكن أن تحمل دلالة التقدم الحقيقي إلا بالرقي بالعنصر البشري، وهو ما يقتضي النظر إليه باعتباره مركزا في كل عمل حكومي.
لقد كف سياسيونا منذ زمن بعيد عن التفكير في إبداع مقاربات تنهض بالإنسان المغربي البسيط، وتلبي حاجاته اليومية، وراحوا يبحثون عن أقصر الطرق التي توصل إلى الاغتناء بالسياسة، معتمدين في ذلك على إطلاق مزايدات بعيدة عن الواقع، سالكين طرقا ملتوية في بعض الأحيان، أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها غير أخلاقية.
من الطبيعي والحالة هذه أن كل حديث عما يسمى "تحالفات سياسية" لا تنبني على مواقف وبرامج، بقدر ما يوجهها منطق التوافق حول توزيع المسؤوليات، هو تواطؤ أكثر منه أي شيء آخر. هو تواطؤ لأنه لا يأخذ بعين الاعتبار تلاقي في وجهات النظر وتقاطع الرؤى إلى الحاضر والمستقبل، ما دام محكوما بعدد الحقائب وبمدى أهمية المناصب الوزارية التي يحصل عليه كل حزب مشارك في الحكومة.
إن ما يحكم التواطؤات السياسية كما شهدناها في السنوات السابقة، هو منطق الغنيمة. لذلك فإن التوافقات التي تؤدي إلى تكتل حزبي يسمى أغلبية يبدو بعيدا عن السياسة بالمعنى الذي يجعلها تحمل أفكارا وبرامج قابلة للتطبيق، ويخلق منها دينامية لتطوير المجتمع. وهذا ما يفسر أن المعارك التي تخاض أثناء الحملات الانتخابية، والتي تصل في بعض الأحيان إلى حد العنف اللفظي، وهو ما يوحي بوجود قطيعة بين المكونات الحزبية لأول وهلة، سرعان ما تخبو وتصبح بقدرة قادر بين عشية وضحاها تحالفا مقدسا يزعم لنفسه تقاربا في البرامج وانسجاما في الآراء، وتطابقا في وجهات النظر.
التحالفات الحزبية بالطريقة التي تعقد بها بعد كل انتخابات بعيدة كل البعد عن معنى السياسية كما تمارس في الديمقراطيات التي تستحق هذا الاسم، وهذا بالضبط ما يرسخ الانطباع بأن الحكومات التي تشكلت بعد دستور 2011، في إطار فضاء سياسي جديد يعيد الاعتبار لمؤسسة مجلس الوزراء رئيسا وأعضاء، لا تختلف في جوهرها عن الحكومات التي سبقت 2011. بل إن وضعية الحكومات المتوالية بعد هذا التاريخ تبدو أسوأ وأنكى، لأنها تحمل في داخلها نفس الأعطاب التي اتسمت بها حكومات ما بعد الاستقلال، أضيفت إليها أعطاب ذاتية لها علاقة بآليات العمل الحزبي نفسه وبنظرته إلى السياسة التي لا تتعدى كونها مجرد إجراءات شكلية ترسم صورة لا علاقة لها بالمجتمع المغربي وتطلعاته.
وهكذا تجتمع قيادات الأحزاب السياسية عقب فرز الأصوات وإعلان النتائج، لتتشاور مع بعضها من أجل تشكيل حكومة تحظى بأغلبية عددية في البرلمان بمجلسيه. وقتذاك تطرح جانبا التناقضات السياسية التي عبرت عنها الحملات الانتخابية النظيفة حينا والمتسخة أحيانا، ويحتكم القوم إلى مقاييس لا علاقة لها بالنجاعة الحاكمية ولا بالبرامج الانتخابية التي من المفترض أن الناخب منح صوته لهذا الحزب أو ذاك بناء عليها، ويفتح المجال للتفاوض حول المشاركة في الحكومة والمساومة حول توزيع المناصب الوزارية.
وبهذه الطريقة التي تسير بها الأمور عقب كل انتخابات لا نستغرب أن يتحالف الشيوعي مع صاحب المرجعية الدينية والاشتراكي مع الأليكارشي تحت ذريعة الرؤية المشتركة إلى القضايا الوطنية الكبرى، التي لا يملك لا هذا ولا ذاك الحق المطلق في البث فيها.
لا يمكن لمشهد سياسي على هذه الشاكلة إلا أن يعيد إنتاج الأعطاب التي رافقت الحكومات السابقة من تضارب في المصالح وفساد في إسناد الصفقات العمومية واستغلال للنفوذ، كما لا يمكنه إلا أن يجعل الأمور تسند إلى غير أهلها للإشراف على مرافق مصيرية مثل قطاع التعليم والصحة وغيرهما.






