قال لقجع في مواجهة قياديي التجمع الوطني للأحرار، الذين يتهمونه بكونه هو من كان يوقع على مخصصات الميزانية لفائدة الوزارات أن دوره يقف عند التأشير عن برنامج مالي تنفيذي لوزارة أو مؤسسة عمومية، و يظل التنفيذ في يد كل وزير حسب اختصاصاته القطاعية. و ختم قوله بدعاء على من اصبحوا اعداءه السياسيين " فلعنة آلله على الكاذبين". وصفهم بالكاذبين، و ترك مجالا للمواطنين ليعتبروا كل مسؤول بالحكومة عضواً في زمرة الكاذبين.
أصبح واجبا أن تفتح أجهزة الرقابة القضائية و الإدارية و كافة مؤسسات الحكامة تحقيقات في مصير عشرات الملايير التي شكك في استعمالها وزراء في الحكومة الحالية. تكلم الأمين العام لحزب الاستقلال عن مصير و مبالغ دعم اللحوم الحمراء، و التي تجاوزت 12 مليار درهم. و صرح الوزير المنتدب في الميزانية تجمع إنتخابي نقلته كل وسائل الإعلام و الإتصال، بأن 280 مليار من المال العام صرفت دون أن تحدث أثار على القضايا الإجتماعية. و لا زالت قضية ملايير أرباح شركات المحروقات ذات ثقل كبير في مرافعات الأحزاب و النقابات و جمعيات حماية المستهلك رغم ما جاء في تقارير مجلس المنافسة بعد إعفاء رئيسه السابق . و ستزيد حمى الصراع الانتخابي في فضح " المستور" . إلى متى سيستمر الصمت المؤسساتي، و إلى أي مدى سيستمر ملء برلماننا ببشر يعادي السياسة التي يستحقها بلد شكل دولة منذ 12 قرنا. حمانا آلله من طبقة سياسية لا تحمي وطنها بالجد و الالتزام و الابتعاد عن الاغتناء غير المشروع.
مكنت جلسات الاستماع التي تم تنظيمها خلال فترة الانصاف و المصالحة ، و التي امتدت من دجنبر 2004 إلى شهر مايو 2005 من تشريح كبير لما جرى من جرائم كبيرة في مجال حقوق الإنسان منذ بداية الاستقلال و حتى سنة 1999. تمت تعرية خارطة مقرات الاعتقالات و التعذيب بدءا من دار بريشة التي استهدفت مناضلي حزب الشورى و الاستقلال، و التي تحول خلالها رفاق مناهضة الاستعمار إلى جلادين لإخوانهم دون رحمة و لا شفقة. و أختار بعض الاستقلاليين الصاق تهمة دار بريشة بتطوان بالجناح اليساري الذي كان يسيطر على التنظيم في بداية الاستقلال. و استمرت لائحة المعتقلات من دار المقري إلى تازمامارت مرورا بدرب مولاي الشريف و البئر الجديد ، وصولا إلى قلعة مكونة و تمارة. قرر ملك البلاد خلق قطيعة مع الماضي، و تعزيز المصالحة بتدابير همت تعويضات لصالح الأشخاص و الجماعات و المجال الجغرافي. و لا زال تنزيل القطيعة مع سنوات الرصاص ضروريا لكي تمحى كل مظاهر الاضرار بحقوق الإنسان.
أصبح صوت المواطن يتحدى الوسائط التقليدية حين تلحقه أضرار يعتبرها تمس بحقوقه. و ضعف دور المجلس الوطني لحقوق الإنسان في الترافع اليومي حول القضايا التي أسس من اجلها. و وجب القول أن قضية حقوق الإنسان لا يمكن أن تعالج عبر مؤسسات حكامة غرقت في بحر العمل الرسمي، و غاب عنها بريق العمل الجمعوي و النضالي غير المحكوم بما تقتضيه كراسي المسؤولية من واجب تحفظ و محافظة على مزايا دنيوية، قد تكون مشروعة. و لا أظن أن هذه المؤسسة قادرة ، في الوقت الراهن , على حمل إنتظارات المواطنين إلى المستوى الذي كانت عليه حين كان يشرف على تدبيرها الراحلان حرزني و صنوه بن زكري إلى جانب الأمين العام السابق محمد الصبار.
و أصبحت حقوق الإنسان في جوانبها الاجتماعية و الاقتصادية أكثر أهمية في هذا الزمن السياسي. و تجاوز الفعل الذي يفضح التفاوتات الاجتماعية و المجالية و القدرة الشرائية و الولوج إلى العلاجات و التعليم و المعلومة، كل المؤسسات الرسمية من حكومة و مؤسسات الحكامة. غابت ادوار مجلس المنافسة و المجلس الاقتصادي والاجتماعي و البيئي و مجلس محاربة الرشوة لتترك المواطن في مواجهة مكشوفة أمام قوة كبرى شكلها " الفراقشية" في قطاعات المصحات و العقار و اللحوم و الخضر و الفواكه و البنزين و المياه و الطاقة و غيرها. و قرر سياسيو هذآ الزمن وضع الحواجز أمام المجتمع المدني و أمام القضاء في مجال محاربة المفسدين. و لا زالت أحزاب الحكومة تشهر شعارات عدم التسامح مع الفساد و هي التي وضعت آليات حمايته و ابعاده عن المساءلة و المحاسبة. كاد " الشيطان" أن يتخلى عن شروره و الاختباء في نفق يبعده عن بعض البشر الذين تفوقوا على هيمنته على النفوس الضعيفة.
و للتغطية على حقيقة المستفيدين من مداخيل المواطن، و من ملايير الدعم الاجتماعي، و مئات ملايير ميزانية الدولة، فضل زعماء الأحزاب ، الذين سيطروا على تدبير الشأن العام ، صنع مسرح كبير لكي يقدموا مسرحية، تعتمد على كثير من الارتجال و العنف الخطابي، ليتطهروا من فشلهم في خدمة الوطن و المواطنين. و قد كلف هذا المسرح ملاييرا تنفق على تنظيم التجمعات، و صنع الوعود، و خلق بهرجة لإعادة أكثر من 275 برلمانيا إلى كراسيهم التي مكنتهم من حماية أسيادهم الفراقشية منذ 2021. نعم سيعودون إلى الكراسي البرلمانية و الحكومية، و سيقولون لنا بكامل الثقة أنهم جاثمون على صدورنا لأنهم واثقون من عدم محاسبتهم. حطمت بلادنا بإرادة عليا مظاهر سنوات الرصاص، و يصر من يجلدون القوة الشرائية للمواطنين و يزيدون من معاناتهم في مواجهة حواجز الولوج إلى الصحة و التعليم ، على أن يظلوا أصحاب القرار في رفض ربط المسؤولية بالمحاسبة. جهل البعض بقيمة القرار السياسي يدفعهم إلى تضخيم دور تدبير محاسباتي و قانوني لتدبير ميزانية الدولة. و لكل ما سبق وجب التأكيد على أن أي مشروع تنموي يحتاج إلى تأطير سياسي قوي. و سيظل دور التقنوقراط فعالا ما داموا يهتمون بتنفيذ القرار السياسي فقط لا غير. و لهذا يجب أن لا يتم اغراق مجالات القرار بجيش من المهندسين الذين يحتكرون الإدارات الترابية ذات العلاقة المباشرة بتنزيل كل السياسات العمومية.






