يبدو أن الإعلام الإسباني اكتشف فجأة أن القميص الذي يرتديه لاعب كرة القدم يمكن أن يتحول إلى وثيقة سياسية، وأن اللاعب الذي جاء إلى الملعب ليلعب كرة القدم مطالب في لحظة ما بأن يتحول إلى حامل رسائل دولة، وأن يعلن بجسده ومظهره موقفا في قضية لا علاقة له بتفاصيلها ولا بتاريخها ولا بتعقيداتها...
القصة بدأت بصورة بسيطة قبل مباراة ريال مدريد وإلتشي، حين خرج اللاعبون بقميص يحمل عبارة "Todos somos caballas" دعما لسبتة، بينما ظهر مبابي وفينيسيوس وكوناتي وهم يخفون العبارة ، ثم نزع مبابي وفينيسيوس القميص قبل التحية البروتوكولية. الواقعة لم تحتج إلى أكثر من ثوان معدودة، لكن بعض الإعلام الإسباني تعامل معها كما لو أن لاعبي ريال مدريد ارتكبوا جريمة في حق الدولة. صحيفة "آس" أفردت للواقعة تغطية بعنوان واضح حول عدم إظهار اللاعبين رسالة الدعم لسبتة، بينما ذهبت "موندو ديبورتيفو" إلى انتقاد ما اعتبرته تشويها لمبادرة دعم المدينة...
وهنا بالضبط تبدأ الحكاية التي تستحق أن نتوقف عندها، لأن السؤال الحقيقي ليس لماذا أخفى مبابي وفينيسيوس شعارا على قميص، ولا لماذا لم يشرحا موقفهما، وإنما لماذا أصبح مطلوبا من لاعب كرة القدم أن يثبت ولاءه السياسي للبلد الذي يعمل فيه حتى يسمح له بالركض خلف الكرة؟ ماذا يفترض أن يفعل اللاعب حين يوضع أمامه قميص يحمل رسالة مرتبطة بقضية سياسية شديدة الحساسية؟ هل يلبسه لأنه لاعب في ريال مدريد؟ هل يلبسه لأن المباراة تجري فوق أرض إسبانية؟ هل يصبح عقده مع النادي عقدا آخر مع التاريخ الإسباني والجغرافيا الإسبانية والسياسة الإسبانية؟ وهل توقيعه لريال مدريد يعني أنه وقع معه على إعلان الولاء لكل المواقف التي تريد إسبانيا تسويقها؟
مبابي فرنسي افريقي ، وفينيسيوس برازيلي، وكوناتي فرنسي افريقي ، ولا أحد منهم جاء إلى ريال مدريد بصفته وزيرا للخارجية الإسبانية. جاءوا لأنهم لاعبون، ولأن وظيفتهم أن يلعبوا كرة القدم. هذا هو العقد الذي يعرفه الجميع. اللاعب يتدرب، يسافر، يلعب، يسجل، يصاب، يعود إلى التدريبات، ثم يلعب من جديد. أما تحويله إلى قطعة في لعبة سياسية فهذا شيء آخر تماما. إذا كان من حق لاعب أن يشارك في مبادرة سياسية أو اجتماعية يريدها، فمن حق لاعب آخر أن يختار عدم المشاركة فيها. الحرية التي تعمل باتجاه واحد تتحول إلى امتحان ولاء، واللاعب الذي يرفض الامتحان لا يصبح مذنبا.
الأكثر غرابة أن إسبانيا نفسها تعرف جيدا قيمة حرية التعبير، وتقدم نفسها باعتبارها دولة ديمقراطية تحترم الاختلاف وحرية الفرد. جميل. فلنضع هذا المبدأ أمام المرآة إذن: ماذا يحدث عندما يختار لاعب أجنبي ألا يحمل الرسالة التي تريد منه أن يحملها؟ هل تتوقف الحرية عند حدود القميص؟ هل يصبح اللاعب حرا في الكلام حين يقول ما يرضي الرواية الإسبانية، ثم يصبح موضع تشهير حين يختار الصمت؟ ما معنى أن تقول للاعب: لك كامل الحرية في التعبير، ثم عندما يعبر بطريقته الخاصة، أو يقرر ألا يعبر، تبدأ محاكمته في الصحافة والبرامج الرياضية ومنصات التواصل؟
الأمر هنا أعمق من مبابي وفينيسيوس، وأكبر من قميص أبيض وشعار قصير. نحن أمام محاولة لإدخال الرياضة في منطقة شديدة الحساسية من الوعي السياسي، ثم تحميل لاعبين أجانب عبء الدفاع عن رواية تاريخية وجغرافية لم يختاروها. اللاعب قد يعرف كيف يلعب لكنه ليس مطالبا بأن يحمل معه إلى الملعب ملف سبتة ومليلية، وتاريخ وجود إسبانيا في شمال إفريقيا، وكل ما تراكم بين المغرب وإسبانيا عبر قرون. لماذا تريد منه أن يعرف كل ذلك قبل أن تسمح له بأن يلمس الكرة؟
سبتة ومليلية مدينتان مغربيتان بالتاريخ والجغرافيا، وستظلان كذلك ، مهما حاولت إسبانيا أن تقدم صورا وشعارات وقمصانا لتثبيت رواية أخرى. وهذه حقيقة سياسية وتاريخية يمكن مناقشتها بالحجج والوثائق و لا تحتاج إلى لاعب كرة قدم كي تحملها إلى العالم. ومن أراد أن يغير هذه الحقيقة في نظري بقميص يلبسه لاعب قبل مباراة، فهو واهم. القميص قطعة قماش، مهما كان اسم اللاعب الذي يرتديه، والتاريخ لا يبدل جلده لأن نجما عالميا وقف أمام الكاميرات.
بل إن الأمر يصبح أكثر عبثية حين تريد إسبانيا أن تستعين بلاعبين لا ينتمون إليها أصلا لتأكيد موقفها من مدينتين في شمال إفريقيا. ما علاقة لاعب برازيلي مثل فينيسيوس بالنزاع حول سبتة؟ وما علاقة لاعب فرنسي مثل مبابي بتاريخ المدينتين؟ هل لأنهما يلعبان في ريال مدريد أصبح مطلوبا منهما حمل الموقف الإسباني في قضية سيادية؟ إذا كان الأمر كذلك، فماذا سيحدث غدا عندما ينتقل لاعب إسباني إلى ناد فرنسي؟ هل سيصبح مطالبا بتبني كل موقف سياسي فرنسي لأنه يعمل هناك؟ وهل يصبح اللاعب موظفا في الدولة التي يلعب في أنديتها؟
هنا تظهر سياسة العصا والجزرة بصورة فجة: كلما قبل اللاعب الرسالة صار محبوبا، ومتضامنا، ومحترما، وكلما اختار الابتعاد عنها بدأت محاولات الضغط عليه، وبدأ الإعلام في تفتيش حركاته بحثا عن معنى، وكأن اللاعب وقع عقدا مع الدولة لا مع النادي. تريد منه أن يأكل الجزرة معك، فإذا لم يفعل لوحت له بالعصا. شارك في الصورة، ارفع الشعار، أظهر الرسالة، وإلا أصبحت أنت المشكلة. هذه طريقة في التعامل مع الرياضيين لا علاقة لها بالروح التي يفترض أن تقوم عليها الرياضة.
وإذا كانت إسبانيا تريد الدفاع عن موقفها من سبتة ومليلية، فلتدافع عنه في البرلمان، وفي الأمم المتحدة، وفي كتب التاريخ، وفي الدراسات الأكاديمية، وفي العلاقات الدولية، وفي كل المنابر التي تناقش قضايا السيادة والحدود . هناك تستطيع أن تقدم حججها وتواجه حجج خصومها. أما الملعب فله وظيفة أخرى. الكرة هناك، والمرمى هناك، والمدرب هناك، واللاعب مطالب بأن يؤدي مهمته التي جاء من أجلها.
التاريخ لا يحتاج إلى مبابي لكي يقول كلمته، والجغرافيا لا تحتاج إلى فينيسيوس كي تثبت وجودها. مدينة لا تتحول إلى مدينة إسبانية لأن لاعبا برازيليا ارتدى قميصا، كما أن مدينة لا تستعيد هويتها من خلال صورة لاعب مغربي. القضايا الكبرى أكبر من أن تختصر في صورة جماعية قبل انطلاق مباراة.
ولهذا أرى أن محاولة تحويل قمصان اللاعبين إلى أدوات لتسويق موقف سياسي من سبتة ومليلية لن تغير شيئا من قناعات المغاربة، ولن تمحو من الذاكرة التاريخية ما ارتبط بالمدينتين، ولن تجعل الحدود أكثر شرعية في عيون من يرى أن المدينتين مغربيتان. تستطيع إسبانيا أن تطبع ألف قميص، وأن تجعل ألف لاعب يقفون أمام الكاميرات، لكن القميص سيبقى قميصا، والمدينة ستبقى مدينة، والتاريخ سيبقى تاريخا.
المشكلة أن بعض الناس يتعاملون مع الصورة باعتبارها حقيقة. يضعون شعارا على صدر لاعب مشهور، ثم يتوقعون أن تنتقل قوة الصورة إلى القضية نفسها. ينسون أن الصورة تعيش دقائق، بينما القضايا التاريخية تعيش قرونا. اللاعب سيعود إلى غرفة الملابس، وسيخلع القميص، وسيغادر الملعب، بينما ستبقى سبتة ومليلية في قلب الذاكرة المغربية، وفي قلب الجدل السياسي .
ونحن لاننتظر من مبابي ولا من فينيسيوس ولا لاعب مغربي أن يدافعا عن الموقف ، ولا نطلب منهما ذلك. لان المدينتين لا يحتاج إلى قدم مهاجم ولا إلى قميص ريال مدريد.
فالحرية التي تحترم اختيارك فقط عندما يخدم روايتك ليست حرية مكتملة. والرياضة التي تحتاج إلى أقدام اللاعبين حتى تحمل خطاب الدولة تتحول إلى منصة سياسية بملابس رياضية.
أما سبتة ومليلية، فهما مدينتان مغربيتان للمرة الألف بالتاريخ والجغرافيا، وستظلان كذلك، ولن يغير هذه الحقيقة قميص ولا شعار ولا صورة ولا مباراة. ومن يظن أن بوسعه أن يغطي التاريخ بقميص لاعب يركض فوق العشب، فهو يخلط بين قوة الصورة وقوة الحقيقة.






