سياسة واقتصاد

نحو "يمين معتدل" منشود... في الحاجة إلى أخلاق العداليين مرجعية الاتحاديين وقالب الاستقلاليين

ميمونة الحاج داهي (تدوينة)
قد يبدو ما سأسطره هنا، في نظر الواقعية السياسية الجامدة، مجرد "هذيان منتصف النهار" و قد يكون كذلك، فهو حديث عن مستحيل لا يجد له مكانا في خارطة التحالفات الحالية، لكنه يبقى هذيانا مشروعا أحاول من خلاله إعادة ترتيب الشتات الحزبي المغربي ولو داخل ذهني فقط. 

المتأمل في المشهد السياسي الراهن يدرك أن الأزمة الحقيقية التي تواجه العمل الحزبي ليست أزمة نصوص أو برامج، بل هي أزمة ثقة وتناغم بين المرجعية الفكرية، الممارسة الأخلاقية، والعمق الهوياتي للمجتمع. من رحم هذا التقييم، يتشكل في ذهني نموذج سياسي بديل أراه كفيلا بضخ دماء جديدة في شرايين الحياة السياسية، نموذج يقوم على توليفة ثلاثية الأبعاد تجمع أفضل ما في التجارب الحزبية المغربية الكبرى.

البُعد الأول في هذا النموذج هو البُعد الأخلاقي والقيادي، والذي أستلهمه دون تردد من شخصيات وقيادات حزب العدالة والتنمية. فرغم الخلاف الفكري مع مرجعيتهم، لا يمكن لأي منصف إلا أن يعتز بالنموذج الأخلاقي الذي قدمته هذه القيادات في تدبير الشأن العام، نموذج يرتكز على نزاهة اليد، القرب من المواطن، الالتزام القيمي، ونظافة الممارسة السياسية و هو ما أثبتته التقارير الرسمية أكثر من مرة، فالسياسة بدون أخلاق تتحول إلى مجرد صراع مصالح، وقيادات "المصباح" قدمت درسا في كاريزما النزاهة التي يحتاجها أي مشروع سياسي طموح.

أما البُعد الثاني، وهو العمق الفكري والأيديولوجي، فأنحاز فيه بوضوح إلى مرجعية حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. فالإرث الفكري للاتحاد، القائم على الاشتراكية الديمقراطية، العدالة الاجتماعية، والدفاع عن الطبقات الهشة، يظل المرجعية الأكثر قدرة على فهم الإشكالات الاقتصادية والاجتماعية للمغرب. غير أن هذا الانحياز للمرجعية الاتحادية يأتي مشروطا بقطع الصلة مع واقع النخبة القيادية الحالية للحزب، والتي ابتعدت في ممارساتها عن توهج الفكرة الاتحادية الأولى. نحن بحاجة إلى "اتحادية الفكرة" لا "اتحادية الأشخاص".

ولكي لا يبقى هذا النموذج هجينا أو مفتقدا للبوصلة السياسية الواضحة، يأتي البُعد الثالث ليوفر الإطار التنظيمي والهوياتي، وهو قالب حزب الاستقلال.

 صهر أخلاق العداليين مع مرجعية الاتحاديين داخل قالب الاستقلاليين يعطينا الصيغة الأمثل لـ"يمين معتدل" متوازن. هذا القالب يمنح المشروع عمقا تاريخيا، ويربطه بالثوابت الوطنية والتعادلية الاقتصادية، والاعتزاز بالهوية المغربية المحافظة في أبعادها الثقافية والدينية، دون السقوط في الراديكالية.

النموذج السياسي الذي أتخيله وأتمناه للمغرب ليس مجرد تجميع عشوائي، بل هو توليفة وظيفية: فكر يساري ديمقراطي يضمن العدالة الاجتماعية (اتحادي)، تقوده نخب تمتاز بالاستقامة والنزاهة العالية (عدالي)، ويتحرك داخل فضاء سياسي وطني محافظ ومعتدل (استقلالي).

هذا "اليمين المعتدل" المنشود هو الإجابة الحقيقية على تطلعات المواطن المغربي الذي يبحث عن حزب يحترم هويته وقيمه، ويدافع عن قوته اليومي بعدالة، ويدبر شؤونه بأياد بيضاء تستشعر المسؤولية الأخلاقية قبل السياسية..