سياسة واقتصاد

حوار افتراضي مع المرشحين للانتخابات التشريعية 2026

المصطفى المريزق (مؤسس الطريق الرابع ورئيس الجامعة الشعبية المغربية Université Populaire du Maroc)

بداية، أعتقد أن ما نبحث عنه ليس حوارا انتخابيا تقليديا مع المرشح، بل حوارا يجعل المرشح أمام اختبار ديمقراطي ومعرفي وأخلاقي، ويمنح الناخب أدوات للحكم عليه بعيداعن الشعارات والصور والوعود.

الأهم في هذا الحوار أن الأسئلة ليست هجومية، ولا تبحث عن إحراج المرشح، لكنها تضع الضوء الأحمر أمام ممارسات يمكن أن تفرغ الديمقراطية من مضمونها: شراء الأصوات، استغلال الفقر، الزبونية، المال الانتخابي، الوعود غير القابلة للقياس، ضعف التكوين، غياب المساءلة، شخصنة السياسة، وتحويل يوم الاقتراع إلى مجرد سوق للأصوات.

وهذا نص الحوار:

المحاور:

لن نطلب منك أن تعدنا بتغيير العالم. نريد أن نعرف شيئاً أكثر أهمية: ماذا تستطيع أن تفعل فعلاا، وما الذي لا تستطيع؟

المرشح:

النائب ليس وزيرا ولا واليا ولا رئيس جماعة. لا يملك أن يوظف الناس أو يبني المستشفيات بقرار شخصي. وظيفته الأساسية التشريع، والرقابة، والتقييم، والتمثيل السياسي.

لذلك، أول وعد أقدمه هو ألا أستعمل جهل المواطن بحدود صلاحياتي لأبيع له وهما.

المحاور:

لكن لماذا يصدق المواطن هذا الوهم أصلاً؟ لماذا ينتظر من النائب أن «يقضي له الأغراض»؟

المرشح:

في المغرب، العلاقة بين المواطن والدولة لا تمر دائما عبر المؤسسات والقانون، بل تمر أحيانا عبر الأشخاص والوساطة.

حين يشعر المواطن أن حقه لا يصل إليه إلا بواسطة، تصبح الزبونية بديلا عن المواطنة، ويصبح السياسي وسيطا أكثر منه ممثلا.

المحاور:

وهنا نصل إلى الانتخابات. ماذا تفعل أمام مواطن فقير يطلب منك المال مقابل صوته؟

المرشح:

أرفض شراء صوته، لكنني لا أحمّل الفقير وحده مسؤولية الظاهرة.

حين يصبح الفقر قابلا للاستثمار الانتخابي، فالمشكلة ليست أخلاق الفرد فقط، بل بنية اجتماعية تسمح بتحويل الحاجة إلى أداة سياسية.

شراء الصوت ليس مجرد فساد انتخابي؛ إنه تحويل للمواطن من صاحب حق إلى زبون/ مورد انتخابي.

المحاور:

وماذا عن المرشح الذي لا يشتري الأصوات لكنه يوزع الوعود والمنافع والخدمات على أساس الولاء؟

المرشح:

هذا شكل آخر من أشكال الزبونية، حتى لو لم يُدفع المال مباشرة.

الديمقراطية تفقد معناها عندما تصبح العلاقة: «صوتك مقابل خدمة» بدل «صوتك مقابل برنامج وسياسة عامة»*.

المحاور:

إذن، ما الفرق بين الزبون الانتخابي والمواطن؟

المرشح:

الزبون يسأل: ماذا ستعطيني؟

المواطن يسأل: ماذا ستفعل بالمؤسسة التي أمثل فيها؟

الأول يدخل الانتخابات بمنطق المنفعة الفردية، والثاني بمنطق الحق والمصلحة العامة.

ومهمتي السياسية أن أساعد على الانتقال من الأول إلى الثاني.

المحاور:

لكن أليس الفقر نفسه نتيجة لسياسات عامة فاشلة؟ ألا يصبح خطاب «المواطنة» أحياناً أخلاقياً أكثر مما ينبغي؟ أليس هناك خوف من التصويت العقابي؟

المرشح:

صحيح. لا يمكن مطالبة شخص يعيش الهشاشة بأن يتصرف كما لو أن شروط الاختيار متساوية للجميع.

الديمقراطية السياسية تحتاج إلى حد أدنى من العدالة الاجتماعية حتى تصبح حرية الاختيار حقيقية، لا مجرد حرية قانونية.

اما بخصوص التصويت العقابي، فهذه ليست ثقافتنا..

المحاور؛

لماذا في نظركم؟

المرشح:

نفس المواطنين الذين يحتجون، هم أنفسهم من يصوتون على الأحزاب نفسها... «وفهم تسطا»!

المحاور:

هل تعرف فعلا من تريد تمثيلهم؟

المرشح:

إذا كنت لا أعرف البطالة والهشاشة والتعليم والصحة والسكن والنقل والاقتصاد المحلي في دائرتي، فأنا لا أمثلها؛ أنا أستعمل اسمها في حملتي.

التمثيل ليس أن أعرف أسماء الناس فقط، بل أن أفهم مصالحهم وتعارضاتها ومواقعهم داخل البنية الاجتماعية.

المحاور:

وهل تستطيع أن تمثل الفقير والغني والعامل والمقاول والشاب والمرأة والموظف في الوقت نفسه؟

المرشح:

التمثيل لا يعني أن مصالح الجميع متطابقة.

المجتمع ليس جماعة متجانسة. فيه مصالح متعارضة وتفاوتات في القوة والثروة والفرص.

دور السياسة ليس إخفاء هذه التناقضات، بل تحويلها من صراع على الأشخاص إلى نقاش مؤسسي حول السياسات والموارد والأولويات.

المحاور:

وهل تعرف ماذا يوجد في ميزانية الدولة؟

المرشح:

إذا كنت أطالب بالإنفاق دون أن أعرف من أين سيأتي التمويل، فأنا لا أقدم برنامجاً، بل قائمة أمنيات.

كل وعد سياسي يجب أن يجيب عن أربعة أسئلة:

كم سيكلف؟ من سيدفع؟ من سيستفيد؟ وكيف سنقيس النتيجة؟

المحاور:

وماذا عن تكوينك؟

المرشح:

الشهادة لا تصنع برلمانياً جيداً، لكنها لا تعفي أحدا من المعرفة.

البرلماني يحتاج إلى فهم الدستور، والقانون، والمالية العمومية، والسياسات العامة، وآليات الرقابة.

وإذا كان لا يعرف، فعليه أن يتعلم.

الخطر ليس أن يجهل السياسي شيئا؛ الخطر أن يجهل وأن يرفض التعلم.

المحاور:

إذا تعارض موقف حزبك مع قناعتك؟

المرشح:

العمل الحزبي يحتاج إلى انضباط، وإلا تحول البرلمان إلى مجموعة أفراد.

لكن الانضباط لا يعني إلغاء الضمير.

سأناقش داخل الحزب، وإذا اقتضت المسألة موقفا مختلفا فسأتحمل مسؤوليته علناً.

فالاستقلالية ليست أن أكون بلا حزب، بل أن أمتلك القدرة على قول «لا» عندما يصبح الصمت خيانة للقناعة.

المحاور:

وماذا إذا ضغطت عليك شخصية نافذة؟

المرشح:

إذا كان نفوذها أقوى من قناعتي، فالمشكلة ليست فيها وحدها؛ المشكلة في هشاشتي السياسية.

النائب الذي يخاف خسارة علاقاته أكثر من خسارة ثقة المواطنين لا يمثل المواطنين فعلاً.

المحاور:

لننتقل إلى السؤال السياسي الحقيقي.

إذا وضعنا المشكلة نفسها أمام مرشحي اليمين واليسار والوسط، أين يجب أن يظهر الاختلاف؟

مرشح اليمين:

أعطي الأولوية للمبادرة الفردية، والاستثمار، والمقاولة، والإنتاج، وفعالية الدولة.

لكن السوق ليس بديلاً عن الدولة. الدولة مسؤولة عن القانون، والتعليم، والصحة، والحماية الاجتماعية.

أريد دولة قوية في وظائفها الأساسية، لا دولة تتدخل في كل شيء.

مرشح اليسار:

أبدأ من سؤال مختلف: من يستفيد ومن يدفع الثمن؟

أدافع عن تقليص الفوارق، والخدمات العمومية، والعدالة الضريبية، وحقوق العمال، والحماية الاجتماعية.

لكن العدالة الاجتماعية تحتاج إلى اقتصاد منتج وتمويل مستدام؛ لذلك لا تكفي الرغبة في التوزيع من دون جواب عن الإنتاج.

مرشح الوسط:

أبحث عن التوازن بين السوق والدولة، وبين الحرية الاقتصادية والحماية الاجتماعية.

لكنني أعترف أن «الوسط» يصبح بلا معنى إذا كان مجرد رفض لاتخاذ موقف.

التوازن ليس غياب الاختيار.

المحاور:

إذن الاختلاف ليس في الشعارات، بل في ترتيب الأولويات وتوزيع الموارد وتحديد من يتحمل كلفة السياسات ومن يستفيد منها؟

المرشحون:

نعم.

المحاور:

وماذا عن الحريات؟ هل يمكن أن نقبل بتقليصها باسم الاستقرار؟

المرشح:

الأمن والاستقرار حاجتان، لكنهما لا يمنحان الدولة شيكاً على بياض.

الديمقراطية لا تعني فقط انتخاب المؤسسات، بل أيضاً حماية الحقوق، وحرية التعبير، والتعددية، والمساءلة، والمحاسبة، وتداول المسؤولية.

المحاور:

وماذا عن المعارضة؟ هل تعتبرها عرقلة؟

المرشح:

المعارضة ليست عدوا للحكومة.

في الديمقراطية، وجود سلطة بلا رقابة خطر، كما أن وجود معارضة بلا بدائل يفقدها معناها.

المعارضة الجادة لا تقول فقط «لا»، بل تقول: «لا، وهذا هو البديل».

المحاور:

بعد كل هذا، أعطنا ثلاثة وعود.

المرشح:

لا أعدكم بثلاثة مشاريع ضخمة.

أعدكم بثلاثة أشياء قابلة للقياس:

1. حصيلة دورية منشورة لما قمت به داخل البرلمان.

2. مواقف معلنة ومبررة في القضايا الكبرى.

3. آلية منتظمة للتواصل مع المواطنين، لا تشتغل فقط أثناء الانتخابات.

المحاور:

وإذا فشلت؟

المرشح:

سأقول إنني فشلت.

فالسياسة التي لا تسمح بالاعتراف بالخطأ تتحول إلى دعاية، والسياسي الذي لا يقبل المساءلة لا ينبغي أن يطلب السلطة.

المحاور:

وإذا خسرت الانتخابات؟

المرشح:

أعود إلى حياتي.

إذا انتهت علاقتي بالمواطن بمجرد إعلان النتائج، فهذا يعني أنني لم أكن أمارس السياسة، بل كنت أمارس حملة انتخابية.

المحاور:

إذن السؤال الأخير: لماذا ينبغي للمواطن أن يصوت لك؟

المرشح:

لا ينبغي أن يصوت لي لأنني طلبت منه ذلك.

عليه أن يسألني أولا:

ما تصورك للمجتمع؟ من سيدفع ثمن سياساتك؟ من سيستفيد؟ ما حدود سلطتك؟ كيف ستحاسب؟ وماذا ستفعل إذا اكتشفت أنك مخطئ؟

ثم يقرر.

المحاور في كلمته الخاتمة:

ربما هنا يبدأ الاختبار الحقيقي للانتخابات.

ليس السؤال فقط: من سيفوز؟

بل: أي علاقة نريد أن نبنيها بين المواطن والسلطة؟

هل نريد مواطنا يُستدعى يوم الاقتراع ويُنسى بعده؟

أم مواطنا يمارس حقه في الاختيار والمراقبة والمساءلة؟

هل نريد نائبا يقوم بدور الوسيط في قضاء المصالح؟

أم نائبا يساهم في بناء مؤسسات تجعل المواطن أقل حاجة إلى الوسيط؟

وهل نريد انتخابات تتنافس فيها الصور والوعود؟

أم انتخابات تتنافس فيها التصورات حول الدولة والمجتمع والاقتصاد والعدالة والحريات وتوزيع الموارد؟

هنا يصبح اليمين واليسار والوسط أكثر من أسماء انتخابية.

فالاختلاف السياسي الحقيقي يبدأ عندما نضع المشكلة نفسها أمام الجميع ونسأل:

من سيدفع؟ من سيستفيد؟ ما دور الدولة؟ ما حدود السوق؟ ما مقدار إعادة التوزيع؟ ما موقع الحريات؟ وما الثمن الاجتماعي لكل اختيار؟

وعندها لا يعود الناخب مطالبا باختيار شخص فقط.

بل يصبح أمام اختيار أعمق:

أي مجتمع يريد أن ينتج بأصواته؟

لأن الديمقراطية لا تبدأ يوم الاقتراع ولا تنتهي بإعلان النتائج.

إنها علاقة مستمرة بين التمثيل والسلطة والمصلحة والمساءلة.

والسؤال الذي ينبغي أن يبقى بعد انتهاء الحملة ليس:

«ماذا وعدنا المرشح؟»..

بل:

«ما الذي أصبحنا قادرين على محاسبته عليه؟»

شكرا لك أيها المرشح..وتحية لكل القراء.