مجتمع وحوداث

الدارجة ليست ضد القرآن.. الدارجة هي التي حفظت القرآن في قلوب المغاربة

إدريس بلعطار (زجال)

قال أحد السياسويين عندنا، ممن يسترزقون بالدفاع عن اللغة العربية دفاعاً مغشوشاً، إن إدراج الدارجة كلغة للتداول في المؤسسات الرسمية يُراد به ضرب القرآن الكريم.


ونسي، أو تناسى، أن الدارجة هي لغة الإبداع المغربي من أوله إلى آخره. هي لغة الشعر، ولغة المسرح، ولغة السينما، ولغة الحكواتي والامثال والحكم . ونسي أن الدارجة، إلى جانب الأمازيغية، هي التي تختزل ذاكرتنا كمغاربة. هي اللغة الحية التي قاومت خطابات وأيديولوجيات المستعمر ذات تاريخ.


الدارجة هي التي قالت حين كان الاستعمار يريد طمسنا وعلى لسان محمد الخامس رحمه الله رحمة واسعة : "والله ما نسيني.. ولا نخرج ديني وانا شعبي يبغيني" وقالت أيضاً، وهي تشحذ الهمم للمقاومة: "خوتنا يا الإسلام.. هزوا بنا لعلام.. زيدوا بنا القدام.. إلا خيابت.. دابا تزيان"


فهل هذه لغة تضرب الدين؟ هذه لغة دافعت عن الدين حين كان الفصيح في الكتب، وكانت هي في الخنادق.


وهنا أسأل هذا السياسوي: لماذا لم تقضِ التركية على القرآن؟ التركية هي اللغة الرسمية في تركيا، يكتبون بها دستورهم وإدارتهم وعلومهم، ومع ذلك بقي القرآن قرآناً يُتلى في إسطنبول كما يُتلى في مكة. ولماذا لم تقضِ الفارسية على القرآن؟ الفرس يكتبون ويدرسون ويديرون دولتهم بالفارسية، وبقي القرآن محفوظاً.


القرآن لا يضربه لسان، القرآن يحفظه القلب. والله تكفل بحفظه: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون". فلا تجعلوا القرآن ذريعة لتفقير المغاربة لغوياً ودغدغة عواطف العامة لأجل أهداف سياسوية رخيصة.


ثم إن الدارجة، لمن لا يعرف، هي خزان ضخم لمعاجم أُهملت في الفصيح. كم من كلمة دارجة فصيحة مهجورة في القواميس العربية لا نستعملها إلا نحن في دارجتنا؟ دارجتنا ليست عامية مبتذلة، بل هي فصيح مهذبته الشوارع. هي عربية اختلطت بأمازيغية وصبغتها الشمس ولون تراب الأرض.


وهذا الكلام كله لا يعني تطاولاً على لغتنا العربية الفصحى. نحن نحب الفصحى، وانفتحنا بها على العالم العربي من خلال الآداب: شعراً ورواية وقصة. تعلمنا بها المتنبي ودرويش، وكتبنا بها. لكن حب( الفصحى) لا يعني كراهية الدارجة. القلب الواحد يتسع لكل اللغات