مجتمع وحوداث

طقس "الصَّيْدَةِ" وهيبة "الرَّامِي"...رحلة في ذاكرة القنص وتراث الغناء الشعبي

أحمد فردوس

منذ غابر السّنين، لم يكن موسم الصّيد/القنص ليمُر دون أن يترك بصمته العميقة في المتخيل الشعبي والأدب الشفهي المغربي كـ "فن القول" الذي تميز به لسان الناظم "الْحَبْحَابْ"، وقد تناول فن العيطة والنظم البدوي أشعارا تمجد الصيّاد/القناص، والتباهي بسلاح بندقية "مُكَحْلَةْ بُوحَبَّةْ" أو "الجْوِيجَةْ" أو "لَخْمَاسِيَّةْ" إلى جانب الكلاب المدربة "السّلُوقِي"، مع وصف دقيق ليقظة الوحيش وجمالية طبيعة الغابة والأحراش والهضاب والجبال ومجاري الوديان.


أغنية مجموعة مسناوة بعنوان: "دَاكْ الرَّامِي" 


يَاوَا. يَاوَا. دَاكْ الرَّامِي 

الْعَزَارَى جَابُوا لَخْبَارْ

يَاوَا يَا فِينْ وْلَادْ بْلَادِي 

دُوكْ الْحَيّاحَةْ وْلَادْ الدَّوَّارْ  

جِيبُو الْعُدّة رَانِي مُوجُودْ 

وُوحْش الصِّيْدَة مَا لِيهْ حُدُودْ 

سْلاَك الصِّيْدَة فَالْغَابَة تْعَجّبْ 

بِينْ السّدْرَة تْنُوضْ الأرْنَبْ 


لقد لامست مجموعة "مسناوة" الغنائية في هذا النص الجميل، شغف تراث هواية القنص وأفردت له مقاطع تصف لهفة الرَّامِي مع بداية انطلاق موسم "الصَّيْدَةْ"، على اعتبار أنه طقس أنثروبولوجي متكامل يتداخل فيه التاريخ بالهوية، والأخلاق بالرياضة، والتراث الشفهي بالطبيعة، بالنظر إلى أن موسم "الصَّيْدَةْ" يُعدُّ احتفالية سنوية تعيد لـ "الرَّامِي" صلته بالأرض وبالقيم الأصيلة التي تضمن استمرارية هذا التراث عبر الأجيال.


في هذا السياق، وظفت أغنية "دَاكْ الرَّامِي" مفردات تراث القنص، مثل "الصَّيْدَةْ"، "سْلَاﮜْ"، "الْحِيَّاحَةْ"، "الْعُدَّةْ"، "السَّدْرَةْ"، "الأَرْنَبْ" كإسقاطات رمزية تعبر عن مميزات المجال والإنسان والطبيعة، ثم وفرة الوحيش، دون أن يغفل كاتب النص استحضار دور "الْحَيَّاحْ" باعتباره شخص مختصة في تقفي الأثر. وإيقاظ وطرد "الْحَجَلْ" و "الأَرَانِبْ" من مخبئها في الجحور وبين أشجار السّدر والحشائش...وتوجيهها وتحريكها باتجاه الرُّماة/الصَّيَّادَةْ.


"بَرْحُوا بِـ اللَّامَةْ ﮜالُوا النْزَاهَةْ فِـ دَارْ الْقَايْدْ. بَرْحُوا بِـ الصَّيْدَةْ هَزِّيتْ سْلَاﮜِي وَمْشِيتْ":


بطبيعة الحال، هناك نموذج أصيل ضمن موروث غناء فن العيطة الحصباوية يعرف بـ "التَّبْرَاحْ"، وهو عبارة عن نظم زجلي يوثق لأحداث ومظاهر الحياة الاجتماعية في منطقة عبدة خلال أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. مثل قول: "بَرْحُوا بِـ اللَّامَةْ ﮜالُوا النْزَاهَةْ فِـ دَارْ الْقَايْدْ. بَرْحُوا بِـ الصَّيْدَةْ هَزِّيتْ سْلَاﮜِي وَمْشِيتْ".


إن قول "بَرْحُوا بَاللاَّمَة"، يترجم آلية التواصل في الزمان والمكان من خلال المناداة والإشهار بصوت عالٍ في التجمعات والطبوع الشعبية، من أجل الإعلان عن توقيت إقامة "اللاّمة/اللمّة" التي تُشير إلى الجمع والرفقة وتجمُّع الأعيان أو الفرسان والقناصة في ضيافة القايد. 


في حين تطلق "الْنَّزَاهَة" على الخروج إلى الطبيعة أو إقامة المآدب والحفلات الكبرى المنتظمة التي تتخللها الموسيقى والصيد والفروسية. ولذلك كرر الناظم قول "بَرْحُو بِالصَّيْدَة" كإعلان صريح عن إنطلاق"موسم "الصَّيْدَةْ" أو رحلة القنص، حيث كان القايد يُنظم رحلات صيد كبرى يشارك فيها أشياخ القبائل والرماة والفرسان. مقابل ذلك يجيب الرَّامي ملبيا النداء بقوله "هَزَّيْتْ سْلاَكِي وَمْشِيتْ" والمقصود هنا هو عدة وعتاد الصَّيْدَةْ، بحكم أن القنص وركوب الخيل كان جزءاً من استعراض الهيبة والسلطة وعلامة على النخوة والجاه.


يعتبر متن "بَرْحُوا بِـ اللَّامَةْ ﮜالُوا النْزَاهَةْ فِـ دَارْ الْقَايْدْ. بَرْحُوا بِـ الصَّيْدَةْ هَزِّيتْ سْلَاﮜِي وَمْشِيتْ"، وثيقة شفهية حية تُجسد لحظة تجمع بين فن العيطة الحصباوية وطقوس الصيد والضيافة داخل قصبة القايد عيسى بن عمر، حيث يلتقي الشغف بـ "الصَّيْدَةْ" مع مظاهر الاحتفال "النْزَاهَةْ" والاستعداد الميداني للرماة والفرسان.


طقوس شغف الاستعداد لموسم "الصَّيْدَةْ":


مع بداية شهر أكتوبر من كل سنة، يُعلن عن بداية موسم القنص أو "الصِّيْدَة"، وهي فترة ذهبية لا يمكن لِـ "الرّامِي" الشغوف بطقوسها وعاداتها أن يُفوّت فرصة معانقة المولعين بها، حتى ولو كلفه ذلك التضحية بأغلى ما يملك في سبيل إشباع شغفه العميق الذي يسري في الدم "الْبَلْيَةْ"، حيث ينطلق استعداد "الرّامي" بنوع من الهيبة والترقب قبل شهر كامل من الموعد.


إن سلاح الصيد المفضل "البندقية" رفيقة درب "الرّامي" تنال حصة الأسد من العناية اللازمة، بعد إخراجها من صندوق عدة تراث القنص، بدءا بتفكيك أجزائها وفحصها بدقة، تلميعها، وتزييتها ثم تجريبها، وإعادتها إلى محفظتها الجلدية الأنيقة. 


قد يسافر الرامي مسافات طويلة من أجل اقتناء الذخيرة "الْقُرْطَاسْ"، بعد فحص وتجديد رخصة الصيد وتأمين سلاحه وكلاب الصيد المدربة التي تستعد لإبراز يقظتها وقوة حواسها ولياقتها البدنية والسلامة الجسمانية، وخاصة كلاب "السَّلُوقِي" التي ترمز للتراث والأصالة إضافة إلى توفير اللباس المناسب وحقائب التموين. علما أن هناك سوق خاص بمنطقة "النواصر" يلتئم جمعه استعداد لهذه المناسبة التراثية تحت سقف شيوخ "الرْمَا" الناصريين.


ميثاق شرف أخلاقيات تراث "الصَّيْدَةْ":


ليس القنص في التراث المغربي مجرد هواية لقتل الوحيش، بل هو ميثاق شرف، صيغت بمداده مجموعة من القيم الأخلاقية والأدبية والدينية، لقنت مبادئها تاريخيا من طرف الشيوخ ورباطات الصيد المنتشرة عبر ربوع البلاد.


ومعلوم أن لكل رَامٍ مدرسته و "شَيْخُهُ" الذي تتلمذ على يديه، وأخذ عنه مبادئ وأبجديات الصّيد، وطرق الرّماية، وأخلاقيات التعامل مع الطبيعة، حيث يُحظر غدر الوحيش النائم أو المستريح. والحفاظ على النسل واحترام بيض الحجل وأعشاش الطيور وفترة التفريخ، وتجنب الإجحاف في الصيد، دون الحديث عن منع الرّمي العشوائي، والالتزام بالقوانين المنظمة والأعراف المتوارثة التي تمنح الطبيعة فرصة للتجدد.


"الصَّيْدَةْ" تراث حامل لمعاني الانضباط والأخلاق:


يرتبط تاريخ الرماية في المغرب ببعض الزوايا، كـ "الزاوية" الناصرية، التي توارث مشيختها الرجال المجاهدين الصالحين الذين جعلوا من تدريب الشباب على الفروسية والرماية وسيلة للدفاع عن الوطن وحماية الثغور، إلى جانب كونها رياضة ونباهة ومصدر رزق، فضلا عن كونها تحمل كل معاني الإنضباط للضوابط الأخلاقية والعسكرية والروحية.


ومن طقوس موسم "الصَّيْدَةْ"، إقامة افتتاح رسمي تحت سقف خيمة شيوخ ومقدمي الرمى، يستهل بتلاوة ما تيسر من الذكر الحكيم، والدعاء للرماة بالسلامة والنجاة من آفات السم و "الْبَارُودْ". ثم بعدها يتم تقديم وجبة الفطور بمكونات تقليدية رائعة، بعد أن يتم نحر "بَهِيمَةْ" كقربان لـ "الرْمَا" قبل التوجه لمجال الصيدة والعودة لتناول وجبة الغذاء.


ومن عادات وطقوس الرماة، الحرص على توزيع غنائم الوحيش "الْقَسْمَة" على عدد "جْعَبْ" بنادق الصيّادة، وفق العادات المتوارثة عند نهاية جولة الصّيد، حيث يتم توزيع الغنائم وفق طريقة عادلة ومعهودة تركها السلف للخلف، تُحسب بناءً على عدد البنادق المشاركة، وتُعطى الأولوية للضيوف وكبار السن أو من لم يحالفه الحظ في الرمي، كرمز للتضامن والروح الجماعية.