سياسة واقتصاد

حوار مع 'السياسة المغربية'

المصطفى المريزق (فاعل مدني ومؤسس الطريق الرابع)

تقديم

في هذا الحوار الافتراضي، نستضيف أختنا "السياسة المغربية" كشخصية رمزية، لنضعها أمام أسئلة الواقع: أزمة الثقة، الديمقراطية التمثيلية، نزاهة الانتخابات، دور الأحزاب، ومشاركة الشباب. حوار صريح، بون لغة خشب، ينطلق من أسئلة القلق ليبحث عن أفق أكثر ديمقراطية، وأكثر قدرة على بناء مغرب المستقبل.

المريزق:

أهلاً بكِ أيتها «السياسة المغربية». لنبدأ من التعريف الأكاديمي: السياسة هي، في جوهرها، تدبير الشأن العام، وتنظيم المصالح، وتوزيع السلطة والموارد، وصناعة القرارات التي تؤثر في حياة الناس. لكن المواطن اليوم يسأل: هل ما زالت السياسة عندنا تقوم بهذه الوظيفة؟

السياسة المغربية:

سؤال صعب، لكنه مشروع. أنا موجودة في كل تفاصيل حياة المواطن، من التعليم والصحة إلى الشغل والسكن والأسعار والنقل والثقافة. لكن مشكلتي اليوم ليست في غياب السياسة، بل في المسافة التي اتسعت بين السياسة والمواطن . فكلما اتسعت هذه المسافة، تراجعت الثقة، وتحولت السياسة من فضاء للمشاركة إلى فضاء للمراقبة والانتظار والشك.

المريزق:  

وهل تعترفين إذن بأن الديمقراطية التمثيلية تعيش أزمة؟

السياسة المغربية :

تعيش أزمة، نعم، لكن علينا أن نكون دقيقين. ليست الأزمة بالضرورة أزمة الديمقراطية كمبدأ، وإنما أزمة الوسائط التي يفترض أن تجعل الديمقراطية تعمل: الأحزاب، المنتخبون، البرلمان، النقاش العمومي، وآليات المحاسبة.

المواطن لا يريد فقط أن ينتخب. يريد أن يعرف ماذا فعل صوته بعد الانتخابات.

المريزق:

أليس هذا هو السؤال الذي يفسر جزءاً من العزوف؟

السياسة المغربية: 

بالتأكيد. عندما يشعر المواطن أن صوته لا ينتج أثراً ملموساً، يصبح العزوف مفهوماً، وإن لم يكن حلاً. والخطر ليس فقط أن يعزف المواطن عن التصويت؛ الأخطر أن يفقد اقتناعه بأن السياسة قادرة على تغيير حياته.

المريزق:

لنكن أكثر صراحة. هل تحولت الانتخابات أحياناً من آلية لاختيار البرامج والنخب إلى مجرد منافسة انتخابية موسمية؟

السياسة المغربية:  

هذه إحدى الأسئلة التي يجب ألا نخاف منها. الانتخابات ينبغي أن تكون لحظة للمحاسبة والاختيار، لا مجرد مناسبة لاستبدال الوجوه. وإذا غابت البرامج الواضحة، وضعفت العلاقة بين المنتخب والناخب، وأصبحت الحملة أقوى من الفعل السياسي، فإن الديمقراطية قد تتحول إلى عملية انتخابية بلا مضمون تمثيلي كافٍ.

وهنا يجب أن نسأل: هل ننتخب الأشخاص فقط، أم ننتخب السياسات والبدائل أيضاً؟

المحور الثاني: نزاهة الانتخابات: هل تكفي القواعد؟

المريزق:

لكن قبل أن نطلب من المواطن أن يشارك، عليه أن يثق في قواعد اللعبة. ما ضمانات نزاهة الانتخابات؟

السياسة المغربية: 

نزاهة الانتخابات لا تصنعها كلمة واحدة ولا مؤسسة واحدة. تحتاج إلى قانون واضح، وإدارة محايدة، ومراقبة فعالة، وشفافية في التمويل، وتكافؤ في الفرص، وسرية التصويت، وحق الطعن، ووضوح النتائج.

لكنني أضيف شيئاً أهم: الثقة في تطبيق القواعد.

وجود القانون مهم، لكن المواطن يريد أن يشعر بأن القانون يُطبق على الجميع بالقدر نفسه، وأن الشكايات تجد طريقها إلى المعالجة، وأن المال والنفوذ لا يستطيعان إفساد المنافسة.

المريزق:

إذن الديمقراطية لا تُقاس فقط بصندوق الاقتراع؟

السياسة المغربية:  

أبداً. الصندوق لحظة، أما الديمقراطية فهي ثقافة ومؤسسات ومحاسبة ومشاركة مستمرة. إن الشباب جيل لا يكره السياسة بل يرفض شكلها القديم.

المريزق:

ماذا عن الشباب؟ هل سيذهب إلى صناديق الاقتراع؟ أم أن جيلاً كاملاً أصبح يعيش السياسة في الهاتف أكثر مما يعيشها في الحزب؟

السياسة المغربية:

الشباب ليس بعيداً عن السياسة كما يبدو. هو يناقش البطالة، والهجرة، والتعليم، والعدالة الاجتماعية، والبيئة، والأسعار، والذكاء الاصطناعي، ومستقبل البلاد. لكنه لم يعد مقتنعاً بالضرورة بأن الحزب هو الطريق الوحيد للتعبير السياسي.

لقد تغيرت أدوات المشاركة. الشاب اليوم يستطيع أن يصنع رأياً عاماً في ساعات عبر منصة رقمية، بينما تحتاج المؤسسات التقليدية إلى وقت طويل كي تستجيب.

المريزق:

وهل المشكلة إذن في الشباب؟

السياسة المغربية:  

إذا أردنا شباباً يصوت ويشارك وينخرط، فعلينا أن نعطيه سبباً مقنعاً للمشاركة: نخباً جديدة، خطاباً جديداً، برامج قابلة للقياس، ومساحات حقيقية للتأثير.

المريزق:

وماذا عن الطبقة الوسطى؟ هل ما زالت ترى في العمل السياسي وسيلة لتغيير المجتمع؟

السياسة المغربية:  

جزء منها أصبح أكثر براغماتية. الموظف، والأستاذ، والطبيب، والمهندس، والتاجر، وصاحب المشروع الصغير، لم يعد يسأل فقط عن الشعارات الكبرى؛ يسأل عن التعليم، والصحة، والسكن، والضرائب، والدخل، ومستقبل أبنائه.

وعندما يقول أحدهم: "لا فرق بين هذا الحزب وذاك"، فهذه ليست دائماً لامبالاة. أحياناً إنها إشارة إلى أزمة ثقة وأزمة بدائل.

المريزق:

وهذه ربما أخطر من العزوف نفسه؟

السياسة المغربية:  

لنضع الأحزاب أمام المرآة. هل ما زالت قادرة على تمثيل المجتمع المغربي بكل تحولاته الجيلية والثقافية والاقتصادية والتكنولوجية؟

هنا ينبغي أن تكون الصراحة أكبر. المجتمع تغير بسرعة، بينما بعض آليات العمل الحزبي لم تتغير بالسرعة نفسها.

المغرب اليوم أكثر شباباً، وأكثر اتصالاً بالعالم، وأكثر تنوعاً في مطالبه وانتظاراته. لذلك تحتاج الأحزاب إلى تجديد النخب، وتجديد الخطاب، وتجديد آليات الاختيار الداخلي، وإعادة الاعتبار للبرنامج والكفاءة.

ولا يكفي أن نتحدث عن التشبيب؛ المطلوب هو تمكين الشباب من المشاركة في صناعة القرار، لا مجرد وضعهم في واجهة الحملات الانتخابية.

المريزق:

يبدو أنك تقدمين صورة قاتمة. هل كل شيء متعثر؟

السياسة المغربية:  

لا... وهذه نقطة مهمة. المغرب راكم خلال العقود الماضية مؤسسات وتجارب وإصلاحات ومكتسبات لا يمكن إنكارها. وهناك أوراش كبرى وتحولات اقتصادية واجتماعية ودبلوماسية ومؤسساتية مهمة.

لكن الاعتراف بالمنجز لا يعني إغلاق باب النقد.

النقد ليس عداءً للدولة، والاختلاف ليس خصومة مع الوطن.

بل إن قوة الدولة الحديثة تقاس أيضاً بقدرتها على سماع الأسئلة الصعبة وتصحيح الاختلالات قبل أن تتحول إلى أزمات.

المحور الرابع: من الانتخابات إلى ديمقراطية ما بعد الانتخابات.

المريزق:

ماذا تقترحين إذن إذا كان الهدف هو بناء ديمقراطية أكثر حيوية؟

السياسة المغربية:  

أعتقد أننا بحاجة إلى الانتقال من سؤال "كيف نجعل المواطن يصوت؟" إلى سؤال أعمق: "كيف نجعل المواطن شريكاً في الحياة العامة؟"

وهذا يقتضي، في رأيي:

* جعل البرامج الانتخابية قابلة للقياس والمحاسبة؛

* تقوية البرلمان في التشريع والرقابة؛

* تجديد الحياة الحزبية وإعطاء الكفاءة والشباب مكانتهما؛

* توسيع المشاركة المدنية بين الانتخابات وليس أثناءها فقط؛

* تعزيز شفافية القرار العمومي وإتاحة المعطيات للمواطن؛

* تطوير المشاركة الرقمية دون تحويلها إلى بديل عن المؤسسات؛

* تقوية التربية المدنية والسياسية، خصوصاً لدى الشباب؛

* وربط المسؤولية بالمحاسبة والنتائج.

والأهم: إعادة بناء الثقة..المغرب الذي نريد.

المريزق:

وما الذي تقولينه للمغرب وهو يقف أمام تحولات كبرى، ويستعد لمرحلة سياسية جديدة؟

السياسة المغربية:

أقول له إن المغرب لا يحتاج إلى ديمقراطية أكثر صخباً، بقدر ما يحتاج إلى ديمقراطية أكثر فعالية.

ديمقراطية تجعل المواطن يرى العلاقة بين صوته والسياسة العمومية.

تجعل المنتخب يعرف أن المنصب مسؤولية لا امتيازاً.

وتجعل الحزب مدرسة للأفكار والكفاءات، لا مجرد آلة انتخابية.

مغرب المستقبل لن يبنى فقط بالمشاريع الكبرى، مهما كانت أهميتها، وإنما أيضاً ببناء مواطن يشعر بأنه شريك في بلده، وشاب يرى مستقبله داخله، ومؤسسات تحظى بثقة المجتمع، وحياة سياسية قادرة على إنتاج البدائل.